النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٩٠ - المصادر الصريحة ثلاثة أنواع قياسية
ق-فى «المصباح المنير» ، ما: «خلف» -و نصه: « (عدم السماع لا يقتضى عدم الاطراد مع وجود القياس. ) » ا هـ. و أقوى من هذا كله ما دونه أبو البركات بن الأنبارى-المتوفى سنة ٥٧٧ هـ-فى كتابه: «لمع الأدلة، فى أصول النحو» (الفصل الحادى عشر ص ٩٥) و فى مطلعه يقول ما نصه:
« (اعلم أن إنكار القياس فى النحو لا يتحقق، لأن النحو كله قياس؛ و لهذا قيل فى حده: «النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب؛ فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو. و لا نعلم أحدا من العلماء أنكره؛ لثبوته بالدلائل القاطعة، و البراهين الساطعة... ) » ا هـ. و قد رأى المجمع اللغوى الاعتماد على ما قاله ابن جنى و على أدلته فى كثير من المسائل الأخرى-كما فى (جـ ١ ص ٢٢٦) من مجلته. و من القائلين بقياسية المصدر: الزمخشرى، و مكانته فى العلوم العربية و الشرعية معروفة (راجع كلامه ص ١٣ من كتاب «القياس و السماع، لأحمد تيمور) .
لكل هذا لم يكن مقبولا رأى «سيبويه» و من انضم إليه قديما و حديثا، مخالفين رأى «الفراء» و من وقف إلى جانبه؛ إذ يرى سيبويه أن الضوابط التى تحدد و تضبط مصادر الفعل الثلاثى لا يصح استخدامها قياسا مطردا قبل الرجوع إلى السماع، و يجب الاقتصار على المسموع وحده بعد البحث عنه و العثور عليه.
و إنما تستخدم الضوابط و الأقيسة للوصول إلى المصدر حين لا يكون للفعل مصدر مسموع من العرب، فإذا ورد فعل لم يعرف عن العرب كيف نطقوا بمصدره جاز استخدام القياس بتطبيق الضابط و القاعدة. أما مع ورود المصدر المسموع المعروف فلا يجوز؛ لأننا مقيدون «بالمصدر» الذى نطقت به العرب الخلّص، و عرفناه عنهم، و لا داعى معه لخلق مصدر جديد لم ينطقوا به نصا.
و هذا رأى غريب يعوق الانتفاع باللغة، و يسلمها إلى الجمود و التخلف. و أعجب من هذا، و أوغل فى الغرابة أن يكون هناك رأى آخر يحرم استخدام الصيغ القياسية مطلقا (أى مع وجود أخرى سماعية أو عدم وجودها، و سيجىء فى ص ٢٩١) . و الفراء و أنصار رأيه يخالفون. و لعل أظهر حججهم أن فى رأى سيبويه إعناتا من غير داع؛ لأن القاعدة-أى قاعدة-إنما هى حكم عام مستنبط، كما شرحنا-من الكثير الوارد عن فصحاء العرب، و ضابط منتزع من الغالب الذى استعملوه. فكيف يراد منا أن نمتنع عن القياس على ذلك الكثير حين يوجد ما يخالفه و لو كان شاذا، و أن نقتصر على هذا المخالف وحده، دون استخدام القياس الذى يجرى على نهج الكثير الفصيح المخالف له؟كيف يتحتم علينا استعماله و لو كان شاذا، و يحرم علينا صوغ ألفاظنا و عباراتنا على النهج الغالب فى كلام العرب الخلّص مع علمنا أن الشاذ هو القليل النادر فى كلامهم؟و مع علمنا-كما تقدم-أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ كما سجله ابن جنى فى المراجع السابقة، و كما يقرره جمهرة النحاة فى مراجعهم، و منه ما نقله الهمع-فى باب الحال جـ ١ ص ٢٤٧-عن أبى حيان و نصه: (إنما نبنى المقاييس العربية على وجود الكثرة. ) -كما سيأتى هنا-و ما نقله أيضا-فى باب التصريف جـ ٢ ص ٢١٧-من مذاهب القياس و فيها يقول ما نصه:
(المذهب الثالث: التفصيل بين ما تكون العرب قد فعلت مثله فى كلامها كثيرا و اطرد فيجوز لنا إحداث نظيره، و إلا فلا... ) . ا هـ. -
غ