النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٣٣ - زيادة و تفصيل
(٣) و تعرب أيضا على حسب حاجة الجملة إذا قطعت عن الإضافة نهائيّا؛ (بأن حذف المضاف إليه، و لم ينو لفظه و لا معناه [١] ؛ فكأنه غير موجود من الأصل، و هذا حين يستغنى عنه المعنى المطلوب، و لا يتجه الغرض إلى ذكره؛ (لأنه معلوم، أو لسبب بلاغىّ آخر) ، نحو: من زرع الإساءة حصد الشقاء ليس غيرا. أى: ليس الحصد مغايرا [٢] . و فى هذه الحالة تكون معربة، منونة، نكرة.
[١] لم ينو لفظه و لا معناه، أى: لم يلاحظ وجوده مطلقا من هاتين الناحيتين. فحكمه كحكم الذى لم يوجد من الأصل.
[٢] إذا لم يلاحظ لفظا و لا معنى كان بمنزلة الذى لم يوجد من الأصل-كما سبق فى رقم (١) -.
و يكون المراد من كلمة «غير» هو: المعنى الاشتقاقى العام، أى: مجرد المغايرة المطلقة» التى لا تتجه إلى شىء معين، و لا تقع على أمر محدد غير مختلط بغيره، و لا مبهم، و تكون «غير» فى هذه الحالة متضمنة معنى المشتق. يوضح هذا ما يأتى من الأمثلة التى لا بد منها لبيان ما فيه من دقة و خفاء.
ا-إذا قلت: (اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة، ليس غير الفاكهة) -كان النفى واقعا على غير الفاكهة، أى: واقعا على كل شىء مغاير للفاكهة. فالفاكهة لا تدخل فى نطاق الأشياء المنفية؛ فكأنك تقول: ليس المأكول شيئا مغايرا أو مخالفا الفاكهة؛ فهى المأكولة وحدها.
ب-أما إذا قلت: اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة، ليس غير، أو: ليس غيرا. بالتنوين فيهما، مع حذف المضاف إليه، و اعتباره كأن لم يوجد من الأصل، فيكون المراد من كلمة: «غير» المعنى الاشتقاقى العام الذى تتضمنه، و هو: «المغاير و المخالف» ؛ فكأنك تقول: ليس المأكول مغايرا» .
هذا المغاير «عام مبهم، يشمل المغاير للفاكهة، و المغاير للأكل، و المغاير لأصول الصحة، و المغاير للزمن...
و المغاير للقدرة المالية... فليس فى الجملة ما يقيد النص على مغايرة معينة محددة؛ و إنما فيها عموم و إبهام يريدهما المتكلم لحكمة بلاغية يرمى إلى تحقيقها.
حـ-يشابه ما سبق و يزيده وضوحا قولنا: حضر القطار قبل الميعاد، و سافر بعد الميعاد، بإضافة «قبل» و «بعد» إلى مضاف إليه مذكور؛ فالقبلية و البعدية إنما هما بالنسبة للمضاف إليه، فهما مقيدان به حتما، و ليسا بمطلقين و لا مبهمين لكن إذا قلنا: حضر القطار قبلا و بعدا بالتنوين و التنكير، فإن الأمر يتغير؛ فتزول تلك «النسبة الجزئية» أو «الفرعية» الناشئة من الإضافة، و يرتفع القيد الذى يقيد المضاف؛ فيصير عاما مبهما، بعد أن كان خاصا مقيدا؛ و يكون اسما متضمنا معنى المشتق؛ فى أصفى الآراء-فمعنى قولنا «حضر القطار قبلا» ، هو: «حضر القطار متقدما» فهذا التقدم عام مبهم يشمل أن يكون متقدما على ميعاده. أو: على نظيره من القطر الأخرى، أر: على مكان وقوفه، أو... أو... و كذلك يكون معنى قولنا: «حضر القطار بعدا» هو «حضر القطار متأخرا» .
و هذا التأخر عام مبهم؛ يشمل التأخر عن ميعاده، أو عن نظيره، أو: عن مكان وقوفه... فالقبلية و البعدية إنما يراد بهما معناهما الاشتقاقى المجرد الذى يتضمنه الاسم. فالأمر فيهما و فى «غير» سواء من هذه