النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٢٥ - زيادة و تفصيل
مع [١] -لهذه الكلمة أحوال ثلاثة؛ تضاف فى اثنتين، و تفرد فى واحدة،
الأولى: الظرفية؛ بأن تكون ظرف مكان يدل على اجتماع اثنين و اصطحابهما، أو ظرف زمان يدل على ذلك، أو ظرفا محتملا للأمرين، عند عدم القرينة التى تعينه لأحدهما [٢] فقط. فمثال دلالته على المكان وحده قولهم: (التواضع مع التّكلّف زهر مصطنع؛ لا فى العيون نضر، و لا فى الأنوف عطر) و قولهم: (لا راحة لراض مع ساخط، و لا لكريم مع دنىء) . و مثال دلالته على الزمان وحده: يغادر الطير عشه مع الصباح الباكر، و يعود إليه مع إقبال الليل [٢] ...
و ليس من من اللازم عند استعماله فى الزمان أن يكون الاجتماع و التلاقى متصلين فعلا؛ و إنما يكفى أن يكونا متقاربين غاية التقارب، حتى كأنهما متصلان من
[١] سبقت لها إشارة موجزة لمناسبة أخرى فى باب: «الظرف» جـ ٢ م ٧٩ ص ٢٧٨.
(٢ و ٢) لبيان ما سبق نقول: إن كل اجتماع و التقاء بين اثنين لا بد أن يكون فى زمان واحد، و مكان واحد؛ و محال أن يتم الاجتماع و التلاقى بغير الأمرين مقترنين حتما. ففى مثل: قعد الزميل مع زميله فى الغرفة-لا يمكن أن يتحقق قعودهما مجتمعين إلا فى زمان واحد يطويهما، و مكان واحد يحويهما.
و من المستحيل أن يوجد الزمان بغير المكان، أو العكس.
فإذا أردنا أن ندل على وقوع اصطحاب و اجتماع بين اثنين فى أمر-كالجلوس، مثلا-كان أمامنا أساليب متعددة لأداء هذا المعنى. و لكن أبلغها و أدقها هو اختيار اللفظة الواحدة المختصة بتأدية هذه الدلالة؛ و هى لفظة: «مع» فنقول: جلس الأخ مع أخيه فى بيتهما؛ بدلا من أن نقول: ظهر الأخ و أخوه فى مكان واحد هو البيت، جلسا فيه فى وقت واحد... أو: نحو هذا، من الأساليب التى قد يصيبها التفكك و الضعف؛ بسبب إهمال الكلمات الخاصة التى هى نص فى معان معينة. و نقول: أكل الصديق مع صديقه، بدلا من أكل الصديقان فى مكان واحد، و زمان واحد... أو: مصطحبين زمانا و مكانا فى أثنائه. فالاجتماع-كما أسلفنا-لابد أن يشمل الأمرين؛ الزمان و المكان حتما. غير أن المقام يقتضى-أحيانا-الاهتمام بأحدهما و توجيه المعنى إليه دون الآخر؛ لوجود قرينة لفظية أو غير لفظية توجب الاقتصار على واحد، كما فى المثالين السالفين؛ فالفعل فى كل منهما قرينة تدل فى السياق الخاص على أن القصد متجه للمكان، مقصور عليه وحده، من غير اعتبار للزمان الملازم للمكان. أما فى مثل استيقظت من النوم مع الفجر، و قصدت لعملى مع الشروق-فإن القرينة اللفظية فى السياق تدل على أن الغرض المقصود هو الزمان وحده؛ إذ لا أهمية للمكان هنا كعدم أهمية الزمان هناك، فالقرائن اللفظية أو غير اللفظية هى وحدها-كشأنها دائما-التى تتحكم فى تخصيص كلمة: «مع» بالمكان أو الزمان. و هذا هو المراد من قولهم: «إنها ظرف زمان أو مكان» . و لكنه قول مختصر يراد منه ما شرحناه. فإن لم توجد تلك القرينة كانت «مع» محتملة للأمرين، صالحة لكل منهما من غير ترجيح.