النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٢٣ - ١٠-بل
١٠-بل:
حرف يختلف معناه و حكمه باختلاف ما يجىء بعده من جملة أو مفرد.
ا-فإن دخل على جملة فهو حرف ابتداء فقط، و معناه إما: «الإضراب الإبطالى» ، و إما: «الإضراب الانتقالى» . فالإبطالى [١] : هو الذى يقتضى نفى الحكم السابق، فى الكلام قبل «بل» ، و القطع بأنه غير واقع، و مدعيه كاذب، و الانصراف عنه واجب إلى حكم آخر يجىء بعدها. نحو: الأجرام السّماوية ثابتة، بل الأجرام السماوية متحركة. فالحرف «بل» (بمعنى «لا» النافية) أفاد الإضراب الإبطالى الذى يقتضى نفى الثبات و نفى عدم الحركة عن الأجرام السماوية؛ لأن هذا الثبات أمر غير حاصل، و من يدعيه كاذب، فكأن المتكلم قال:
(الأجرام السماوية ثابتة. لا، فالأجرام السماوية متحركة و ليست ثابتة) ؛ فأبطل الحكم الأول و نفاه، و عرض بعده حكما جديدا. و من الأمثلة قوله تعالى فى المشركين: (وَ قََالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمََنُ وَلَداً-سُبْحََانَهُ -بَلْ عِبََادٌ مُكْرَمُونَ ) ، أى: بل هم [٢] عباد مكرمون. فقد أبطل الحكم السابق، و نفاه، و أثبت حكما آخر بعده؛ فكأن الأصل: (و قالوا اتخذ الرحمن ولدا. لا؛ فإن الذين اتخذهم هم عباد مكرمون) . و مثل قوله أيضا ترديدا لما يقوله الكفار عن الرسول عليه السّلام:
(أم يقولون به جنّة [٣] . بل جاءهم بالحق) .
و الانتقالىّ هو: الذى يقتضى الانتقال من غرض قبل الحرف: «بل» إلى غرض جديد بعده، مع إبقاء الحكم السابق على حاله، و عدم إلغاء ما يقتضيه.
كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى [٤] `وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى ، `بَلْ تُؤْثِرُونَ [٥] اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا، `وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقىََ ... )
فالغرض الذى يدور حوله الكلام قبل: «بل» هو: الطاعة، (بالطهارة من الذنوب، و بعبادة اللّه، و بالصلاة.. ) ، و الغرض الجديد بعدها هو حب
[١] سبقت الإشارة إلى معناه فى رقم ١ من هامش ص ٥٩٧.
[٢] الدليل على أن الحرف: «بل» داخل على جملة اسمية، المبتدأ فيها محذوف-هو: رفع كلمة: «عباد» إذ لا وجه لإعرابها و هى مرفوعة غير ما سلف، و هو الذى يقتضيه المعنى أيضا. و مثل هذا يقال فى كلمة: «أحياء» المرفوعة فى قوله تعالى: (وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً. بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ... ) ، أى: بل هم أحياء.
[٣] جنون.
[٤] تطهّر.
[٥] تفضلون و تختارون.