النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٢٤ - ١٠-بل
الدنيا، و تفضيل الآخرة عليها... و كلا الغرضين مقصود باق على حاله.
و كقوله تعالى: (وَ لَدَيْنََا كِتََابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ، وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ .
`بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ [١] ... )
و كقولهم: (ليس من المروءة أن يتخلىّ الشريف عن أصدقائه ساعة الشدّة:
بل يقيهم بماله، و يدفع عنهم بنفسه) .
و حكم الحرف: «بل» الداخل على الجملة أنه حرف ابتداء محض يفيد الإضراب [٢] - كما أسلفنا-و لا يصح اعتباره حرف عطف و لا شيئا آخر غير الابتداء، فالجملة بعده مستقلة فى إعرابها عما قبلها، و لا يصح إعرابها خبرا و لا غير خبر عن شىء سابق عليه [٣] ...
[١] غفلة، أو انهماك فى الباطل، و وصفت القلوب بهذا مسايرة لاعتقاد العرب أن القلب هو مقر العقل و الغرائز، و مصدر الخير و الشر.
[٢] سبقت إشارة-فى رقم ٢ من هامش ص ٥٩٧-إلى فروق بين «أم» المنقطعه حين تكون للإضراب، و «بل» -منها: أن الذى بعد «بل» يقين غالبا، أما الذى بعد «أم» فظنّ.. ، جاء فى كتاب: «المحتسب» لابن جنّى-جـ ٢ ص ٢٩١-فى الآية الكريمة من سورة الطور: (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طََاغُونَ . ) و قراءة من قرأها: (بل هم قوم طاغون) ما نصه: ( «قال أبو الفتح: هذا هو الموضع الذى يقول أصحابنا فيه: إن «أم» المنقطعة بمعنى: «بل» ، للترك و التحول، إلا أن ما بعد «بل» متيقن، و ما بعد «أم» مشكوك فيه، مسئول عنه، كقول علقمة بن عبدة:
هل ما علمت و ما استودعت مكتوم؟ # أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟
كأنه قال: بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟و يؤكده قوله بعده:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته # إثر الأحبة يوم البين مشكوم
-مشكوم: مجازى...
ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام و هو: «هل» فى قوله: أم هل كبير بكى.... حتى كأنه قال:
بل هو كبير... ترك الكلام الأول و أخذ فى استئناف مستأنف.
و قد توالت «أم» هذه فى هذا الموضع من هذه السورة؛ قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شََاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ ) أى: بل أيقولون ذلك. و قوله تعالى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاََمُهُمْ بِهََذََا، أَمْ هُمْ قَوْمٌ طََاغُونَ ؟) أى: بل أهم قوم طاغون؟.. أخرجه مخرج الاستفهام، و إن كانوا عنده تعالى قوما طاغين؛ تلعّبا بهم و تهكما عليهم. و هذا كقول الرجل لصاحبه الذى لا يشك فى جهله: أجاهل أنت؟توبيخا له، و تقبيحا عليه. و معناه: إنى قد نبهتك على حالك فانتبه لها، و احتط لنفسك منها، قال صخر:
أرائح أنت يوم البين أم غادى # و لم تسلم على ريحانة الوادى
ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به؛ و لكنه يقبح هذا الرأى لها، و ينعاه عليها، » ) ا هـ.
[٣] يقول السيوطى فى الهمع-جـ ١ ص ٩٦-ما نصه خاصا بالخبر: «لا يسوغ الإخبار بجملة ندائية؛ نحو: زيد يا أخاه، و لا مصدرة بلكن، أو: بل، أو: حتى.. -بالإجماع فى كل ذلك» .