النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٦١ - (٢) تقسيم النعت باعتبار لفظه
الإفراد و التذكير و فروعهما؛ (و الأغلب أن تكون صيغته ملازمة الإفراد و التذكير، فإن كانت كذلك فى أصلها لم يجز تثنيتها، و لا جمعها، و لا تأنيثها، و لا إخراجها عن وزنها الأول) [١] ... تقول: رأيت فى المحكمة قاضيا عدلا، و شهودا صدقا، و نظاما رضا، و جموعا زورا [٢] بين المتقاضين... تريد: قاضيا عادلا-و شهودا صادقين، و نظاما مرضيّا، و جموعا زائرة بين المتقاضين...
فالمعنى على تأويل المصدر باسم مشتق كالسابق، و يصح أن يكون على تقدير مضاف محذوف هو النعت، ثم حذف و حلّ المصدر محله، و أعرب نعتا مكانه.
و الأصل: قاضيا صاحب عدل-شهودا أصحاب صدق-نظاما داعى رضا-جموعا أصحاب زور، (أى: أصحاب زيارة) ، و الداعى للنعت بالمصدر مباشرة و ترك المشتق، أو المضاف المحذوف على الوجه السالف-أن النعت بالمصدر أبلغ و أقوى؛ لما فيه من جعل المنعوت هو النعت. أى: هو نفس المعنى؛ مبالغة.
و قد اختلف رأى النحاة فى وقوع المصدر نعتا؛ أقياسىّ هو أم مقصور على السماع؟و أكثرهم يميل إلى قصره على السماع، مع اعترافهم بكثرته فى الكلام العربى الفصيح [٣] ، و أنه أبلغ فى أداء الغرض من المشتق [٤] . و هذا الاعتراف
[١] إلا فى حالات أشهرها أن يكون المصدر مسموعا بالتأنيث أصلا؛ نحو: رحمة-شفقة- فإن تاء التأنيث ملازمة لهما. أو أن يشيع الوصف بالمصدر، و يشتهر استعماله نعتا، فيجوز تثنيته و جمعه قياسا؛ لغلبة الوصف عليه كقول الشاعر:
و بايعت ليلى فى الخلاء و لم يكن # شهود على ليلى، عدول مقانع
المفرد: عدل، بمعنى: عادل.
[٢] الزور هنا: الزيارة.
[٣] و فى مقدمته القرآن الكريم-و لا سيما سورة الجن-و مما ورد فى غيرها كلمة: «بور» ، بمعنى «هلاك» فى قوله تعالى: (وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) أى: هلاكا، بمعنى: هالكين و هو فى أصله مصدر يوصف به المفرد، و المثنى و الجمع، و المؤنث، و المذكر مع تأويله فى كل ذلك بالمشتق (اسم الفاعل... ) و قيل إنه جمع: «بائر» ؛ مثل: «حائل و حول» فيكون على هذا مشتقا لا مصدرا مؤولا بالمشتق. أما فى سورة الجن فقد جاء النعت بالمصدر فى قوله تعالى: (إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً... ) أى عجيبا-و كلمة؛ «عجب» مصدر-و فى قوله تعالى: (مََاءً غَدَقاً.. ) أى كثيرا و فى كلمة: «صعدا» بمعنى صعود فى قوله تعالى: (وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذََاباً صَعَداً. ) و الصّعد: هو الصعود بمعنى: المشقة، و جاء كذلك فى قوله تعالى: فى إخوة يوسف: «وَ جََاؤُ عَلىََ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ... » .
[٤] فقد قرر علماء البلاغة أن النعت بالمصدر يكون من باب: المبالغة، أو: من مجاز-