النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٢٦ - ١٠-بل
(ما زرعت القمح بل القطن-ما أسأت مظلوما بل ظالما) - (لا يتصدر مجلسنا جاهل بل عالم-لا تصاحب الأحمق بل العاقل) -لم يكن معنى «بل» الإضراب، و إنما المعنى أمران معا.
أولهما: إقرار الحكم السابق، و تركه على حاله من غير تغيير فيه.
ثانيهما: إثبات ضدّه لما بعد «بل» ..
ففى المثال الأول: حكم منفىّ، قبل كلمة «بل» هو نفى زراعتى القمح، و أقررنا هذا الحكم المنفىّ، و تركناه على حاله، و فى الوقت نفسه أثبتنا بعدها حكما آخر، هو، زرع القطن... ، و أيضا نفينا قبلها حكما؛ هو وقوع الإساءة على المظلوم، و أثبتنا بعدها وقوعها على الظالم. و كذلك نهينا قبلها عن تصدر الجاهل لمجلسنا، و أمرنا بعدها بهذا التصدر للعالم. و نهينا عن مصاحبة الأحمق، و أمرنا بها للعاقل، و هكذا...
فالحكم الأول فى كل الأمثلة السالفة-و نظائرها-باق على حاله، لم يقع عليه إضراب، أو تغيير، و الحكم بعد «بل» مضاد لما قبلها، فالحكمان متضادان؛ ما ينفى أو ينهى عنه قبل «بل» يثبت أو يؤمر به بعدها [١] ...
***
[١] فى حكم «بل» يقول ابن مالك:
و «بل» كـ «لكن» بعد مصحوبيها # كلم أكن فى مربع، بل تيها
(المراد بالمصحوبين: النفى و النهى، «و المربع» : المكان الذى ينزل فيه القوم زمن الربيع.
و التيها: هى التيهاء؛ (أى: الصحراء) يقول: إن «بل» بعد النفى مثل «لكن» فى أنها تقرر ما قبلها، و تتركه على حاله، و تثبت ضده لما بعده، فلا تفيد معهما إضرابا. لكنها بعد الكلام الموجب و بعد صيغة الأمر تفيد الإضراب عن الأول، و تنقل حكمه إلى الثانى، حتى يصير الأول مسكوتا عنه مهملا. و فى حالتى الإيجاب و الأمر يقول ابن مالك متمما كلامه السالف عن «بل» :
و انقل بها للثّان حكم الأول # فى الخبر المثبت و الأمر الجلى
أى: الصريح فى دلالته على الأمر؛ كفعل الأمر، و المضارع المسبوق بلام الأمر. و هذا عند ابن مالك و من وافقه. و هناك من يلحق التمنى، و الترجى، و العرض، و التحضيض.. -بالصريح كما قلنا فى رقم ٢ من هامش ص ٦٢٥ و قد سبق الكلام على «لكن» فى ص ٦١٦.