النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٩٠ - ٥-أم
عن صاحبه الحقيقىّ؛ ليعرفه على وجه اليقين، لا التردد و الشك؛ نحو: أعمّك مسافر أم أخوك؟فقد وقعت «أم» بين شيئين، هما: «عم» و «أخ» و قبلهما همزة استفهام [١] يريد المتكلم بها و «بأم» أن يعين له المخاطب أحد الشخصين تعيينا قاطعا يدل على المسافر منهما دون الآخر. فالمتكلم يعلم يقينا أن أحدهما مسافر؛ لكن من منهما؟هذا هو ما يجهله المتكلم، و يريد أن يعرفه بغير تشكك فيه؛ إذ لا يدرى؛ أهو: العم أم الأخ؟؛ و من أجله يطلب من المخاطب أن يعيّن له المسافر تعيينا مضبوطا، و يحدده تحديدا يؤدى إلى كشف حقيقته و ذاته، فيمكن بعد هذا إسناد السّفر إليه وحده، و نسبته إليه، دون غيره. فالسفر المجرد-ليس موضع السؤال، لأنه غير مجهول للمتكلم، إنما المجهول الذى يسأل عنه و يريد أن يعرفه-هو تعيين أحدهما، و تخصيص فرد منهما بالأمر دون الآخر.
و من الأمثلة أيضا: أعادل واليكم أم جائر؟فقد وقعت «أم» بين شيئين؛ هما: عادل و جائر، و قبلهما معا همزة الاستفهام التى يريد المتكلم بها و بأم استبانة أحد هذين الشيئين، و تحديده، و تعيينه، ليقتصر المعنى عليه، و ينسب إليه وحده. ذلك أن المتكلم يقطع بأن هناك واليا، و لا يشك فى وجوده، و لكن الذى يجهله و يريد أن يعرفه من المخاطب هو: تعيين هذا الوالى، و تحديد أمره؛ بحيث يكون واحدا محددا من هذين الاثنين لا يتجه الفهم إلى غيره مطلقا. و تسمى هذه الهمزة: «بالمغنية عن كلمة: أىّ» -لأنها مع «أم» يغنيان عن كلمة: «أىّ» فى طلب التعيين، و ليست الهمزة وحدها- فمعنى؛ أعمك مسافر أم أخوك؟هو: أيّهما المسافر؟و معنى أعادل واليكم أم جائر: أىّ الأمرين واقع و محقق؟
حكم هذا القسم:
يشترط فى: «أم» هذه-كما سبق-أن تتوسط بين الشيئين اللذين يراد
[١] قال الصبان-فى باب العطف عند آخر الكلام على همزة التسوية و ما يتصل بها ما نصه:
( «و قد تكون «هل» بمعنى «الهمزة» فيعطف «بأم» بعدها؛ كحديث: «هل تزوجت بكرا أم ثيبا» ؟) . ا هـ كلام الصبان. هذا و فى شعر الحسن بن مطير (و هو أموى من شعراء الحماسة، يحتج بكلامه) قوله:
هل اللّه عاف عن ذنوب كثيرة # أم اللّه-إن لم يعف عنها-يعيدها؟