آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول - الفاني الأصفهاني، علي - الصفحة ٤٨٠ - توجيه وجوب المقدمات المفوتة
تساوقهما فى توقف القدرة على الواجب عليهما فالظاهر ان منشأ الاختصاص زعمه وجود نص خاص لحفظ الماء مع فقدانه كما اعترف به تلامذته و اجابوا به عنه و على تقدير دخل القدرة فى الملاك فما الفرق بين كونه على نحو الجهة التعليلية او التقييدية كما زعمه ضرورة انها على كلا التقديرين مولدة للملاك فهو مشروط بها لا محالة و لا يتحقق قبل تحققها غاية الامر شمول الخطاب لنفسها فى الاول دون الثانى و هذا لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده.
ثم ما معنى اشتراط القدرة المطلقة و هل هو إلّا عبارة عن عدم دخل القدرة فى الملاك بل فى لزوم الامتثال بعد صيرورة الفعل ذا ملاك أمّا تنظيره لذلك بالعطش و السفر و لزوم تحصيل الماء لدفعه فهو التزام بالواجب التعليقى بما له من اللوازم و الملزومات عدا فعلية البعث ضرورة فعلية الملاك و الخطاب فى مثله لان حفظ النفس لا يختص وجوبه بحال امتناعه لاجل العطش فى السفر بل هو واجب فى كل حال غاية الامر ظرف امتثاله عند الابتلاء بمثل العطش مما تكون النفس معه فى معرض الهلاك فهو قبل الابتلاء مخاطب من طرف العقل بخطاب: اصطحب الماء: فالمظنون ان هذا القائل يفر من التصريح بالبعث فى نحو المثال و إلّا فهو موجود فيه لانه من المولى عبارة عن الشوق النفسانى الى فعل العبد الموجب تحريك ارادته نحو ذلك الفعل لا انه الارادة المحركة للعضلة نحو الفعل حتى يتحاشى عن الالتزام بفعليتها لاجل انفكاك الفعل عنها لتأخر زمانه عن زمان البعث حسب الفرض كما أن وجوب انقاذ ولد المولى مع عدم أمره به أيضا انما هو باستقلال العقل لانه نائب مناب المولى حينئذ فى الأمر و حجة باطنية فى كشف الوظيفة العبودية عند تعذر البعث عن المولى لجهة ما، و ليس من فعلية الملاك دون الخطاب فى شيء (و بالجملة) فالوجوب فى هذه الأمثلة التى ذكرها و نظائرها، و ان كان مسلما بحكم العقل إلّا أن الشأن فى وجه ذلك و أنه هل هو من جهة صحة الواجب التعليقى- كما هو الحق الذى أسلفنا فيه بعض الكلام- أو من جهة أخرى كما هو أول الدعوى فالتمثيل بالموارد المتنازع فيها و تكرار المدّعى لا يثبت الدعوى.
ثم ما معنى كون الواجب فى المقدمات المفوتة بملاك الواجب النّفسى كما زعمه فلو أريد تعلق أمر غيرى بها من ناحية الأمر المتعلق بنفس الواجب فهو عين الوجوب المقدمى كما فى سائر المقدمات و لسائر الواجبات و لو أريد تعلق أمر نفسى بها فلم لا يترتب العقاب على ترك نفسها بل يترتب عند ترك نفس الواجبات ثم ما الدليل على هذا الأمر و لو أريد تعلق أمر نفسى بها بملاك موجود فى الغير أى نفس الواجب فهو غير معقول و هل للواجب النفسي إلا ما يكون ذا ملاك و لو اريد البرزخ بين النفسي و الغيري فهو غير معقول و أما الطريق الثالث- أعنى وجوب التعلّم و المعرفة عقلا قبل البلوغ فان كان طريقيا بحكم العقل ناشئا عن وجوب نفس التكاليف فهو عين الوجوب المقدّمى و ان كان نفسيا مكشوفا من الشارع بواسطة العقل فلا بد من استحقاق العقاب حينئذ لا بعد البلوغ أما جوابه عن اشتراط البلوغ لعامة التكاليف بأنه يختص بغير المستقلات العقلية فلازمه عدم الاختصاص بالتعلّم لأن قبح الظلم و قتل النفس و الزنا أيضا من المستقلات العقلية فلا بد من عدم اشتراط البلوغ فيها، مع أنه ما المخصص لعموم رفع القلم بالنسبة الى التكاليف المنكشفة بالعقل المستقل فظهر فساد جميع طرقه الثلاثة لتوجيه وجوب المقدمات المفوتة و لعمرى أن الالتزام بالواجب التعليقى أهون من ادعاء تلك الدعاوى.
[توجيه وجوب المقدمات المفوتة]
ثم ان بعض الاعاظم (قده) تصدى لتوجيه وجوب المقدمات المفوتة فذكر أوّلا انفكاك الظهور عن الحجية فى موارد قيام القرينة على خلافه مطلقا و لو كانت منفصلة بمعنى بقاء الظهور و سقوط حجيته ثم فرع على ذلك ان حجية ظهور الجملة البعثية فى الطلب لما كانت بقرينة العقل و هى منفصلة فسقوطه عن الحجية بالنسبة الى العاجز لا يضر بكونه حجة فى الارادة و المصلحة فوجوب المقدمات المفوتة يكون بحكم العقل فى سبيل حفظ المناط المحرز من قبل ذلك الخطاب و لا مجال للتشبث باطلاق المادة لاثبات وجوب تلك المقدمات بعد قصور الهيئة عن افادة ذلك حسب الفرض اذ الانفكاك بين الهيئة و المادة بعيد بل ممنوع بل مستحيل (و فيه) ان الظهور عبارة عن امارية اللفظ عرفا فى مقام تطبيق مدلوله اللغوى على المراد الواقعى لبناء اهل المحاورة على التطبيق المذكور فى تفهيم مقاصدهم لا انه تعبد من العرف على حمل اللفظ الصادر من المتكلم بمعناه اللغوى على مراده اما الحجية فهى عبارة عن الحكاية و لا بد لها من موجب و هو بناء العرف على ذلك فى مقام التفهيم و كشف المراد فرتبة الحجية بالقياس الى الظهور رتبة الحكم بالقياس الى الموضوع و القرائن القائمة على خلاف الظهورات انما هى كاشفة عن عدم تطبيق المدلول اللغوى على المراد من قبل المتكلم و معلوم ان قضية الحجية حينئذ من السالبة بانتفاء الموضوع فحديث انفكاك الظهور عن الحجية فى موارد قيام القرينة على خلافه مطلقا و لو كانت منفصلة و بقاء الاول و سقوط الثانى من رأسه حديث شعرى نعم لو كان الظهور بناء جزافا من العرف او الحجية تعبدا لغوا من الشارع لكان للانفكاك المزبور وجه لكن هيهات ان يكونا كذلك مضافا الى المنع عن كون العقل من القرائن المنفصلة كيف و هو توأم مع الكلام من لدن صدوره عن المتكلم فهو من اوضح القرائن المتصلة و اما انفكاك المادة عن الهيئة فى الاطلاق و التقييد فهو بمكان من الامكان و لا بعد فيه (و من العجب ان بعضهم يصحح اتيان العبادة بالملاك بتقريب ان اقتضاء الامر و لو كان تعلقه بالطبيعة المقدورة إلّا ان الملاك موجود فى جميع افرادها) كيف و عدم الانفكاك يستلزم تقييد المادة من ناحية الهيئة و هو غير معقول باعتراف من الجل فنفس اطلاق المادة و سريانها الطبعى كاف للكشف عن قيام الملاك بالطبيعى إلّا ان يريد القائل بعدم الانفكاك ان كشف الملاك لما كان من قبل الهيئة البعثية فقصورها عن شمول بعض الافراد حسب الفرض مساوق مع تقيد الملاك بغيره من افراد