الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٤٥٩ - فروع في تعليق الطلاق بالمشيئة
حماد بن أبي سليمان الثوري وأبو حنيفة والشافعي له ان يختار أيتهن شاء فيوقع عليها الطلاق لانه لا يمكن إيقاعه ابتداء وتعيينه فإذا أوقعه ولم يعينه ملك تعينه لانه استيفاء ما ملكه ولنا أن ما ذكرناه مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم ولا مخالف لهما من الصاحبة ولانه إزالة ملك بني على التغليب والسراية فتدخله القرعة كالعتق وقد ثبت الاصل بكون النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين العبيد الستة ولان الحق لواحد غير معين فوجب تعيينه بالقرعة كالحرية في العبيد إذا أعتقهم في مرضه ولم يخرج جميعهم من الثلث وكالسفر باحدى نسائه والبداية بأحداهن في القسم وكالشريكين إذا اقتسما ولانه طلق واحدة من نسائه لا يعلم عينها فلم يملك تعيينها باختياره كالمنسية وأما الدليل على أنهن لا يطلقن جميعا انه أضاف الطلاق إلى واحدة فلم يطلق الجميع كما لو عينها ، قولهم إنه كان يملك الايقاع والتعيين قلنا ملكه للتعيين بالايقاع لا يلزم ان يملكه بعده كما لو طلق واحدة بعينها وأنسيها فان مات قبل القرعة والتعيين أقرع الورثة بينهن فمن وقعت عليها قرعة الطلاق فحكمها في الميراث حكم ما لو عينهابالتطليق منهن وقال الشافعي يوقف الميراث المختص بهن حتى يصطلح من عليه لانه لا يعلم المستحق منهن ووجه قول الخرقي قول علي رضي الله عنه ولانهن قد تساوين ولا سبيل إلى التعيين فوجب المصير إلى القرعة كمن اعتق عبيدا في مرضه لا مال له سواهم وقد ثبت الحكم فيهم بالنص لان في توريث الجميع توريث من لا يستحق يقينا والوقف لا إلى غاية حرمان للمستحق يقينا والقرعة تسلم من هذين المحذورين ولها نظير في الشرع
( مسألة )
( فان قال لنسائه احداكن طالق غدا طلقت واحدة منهن إذا جاء الغد وأخرجت بالقرعة ) فان مات قبل الغد ورثنه كلهن وإن ماتت إحداهن ورثها لانها ماتت قبل وقوع الطلاق فإذا جاء غد أقرع بين الميتة والاحياء فان وقعت القرعة على الميتة لم يطلق شئ من الاحياء وصارت كالمعينة بقوله أنت طالق غدا وقال القاضي قياس المذهب أن يتعين الطلاق في الاحياء فلو كانتا اثنتين فماتت احداهما طلقت كما لو قال لامرأته واجنبية إحداكما طالق وهو قول أبي حنيفة والفرق بينهما ظاهر فان الاجنبية ليست محلا للطلاق وقت قوله فلا ينصرف قوله إليها وهذه قد كانت محلا للطلاق فارادتها بالطلاق ممكنة وارادتها بالطلاق كارادة الاخرى وحدوث الموت بها لا يقتضي في حق الاخرى طلاقها فتبقى على ما كانت عليه والقول في تعليق العتق كالقول