النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٠٩ - زيادة و تفصيل
فلهذه الأمور الثلاثة لا تكون من القسم الأول الذى يدور فيه الكلام؛ بل إنها ليست للتفضيل مطلقا [١] -كما تقدم-؛ و إنما هى كلمة معدولة، (أى:
محوّلة) عن كلمة: «آخر» التى أصلها «أأخر» جاءت لتؤدى معنى ليس فيه تفضيل، ذلك أن العرب حين أرادوا استخدام كلمة: «آخر» فى معناها الأصلى-و هو المغايرة المحضة الخالية من معنى التفضيل-عدلوا بها عن وزنها الأول؛ بأن أدخلوا عليها شيئا من التغيير، و حولوها إلى هذا الوزن الجديد؛ و هو: «أخر» ، لتؤدى معنى خاليا من التفضيل لا يمكن أن تؤديه إذا بقيت على الصيغة الأولى. و يقول السيوطى [١] ، قولا أشبه بهذا؛ نصه:
(كان مقتضى جعل «أخر» من باب «أفعل التفضيل» أن يلازمه فى التنكير لفظ الإفراد و التذكير، و ألا يؤنث، و لا يثنى، و لا يجمع، إلا معرفا، كما كان أفعل التفضيل؛ فمنع هذا المقتضى، و كان بذلك معدولا عما هو به أولى؛ فلذلك منع من الصرف) [٢] ...
فالذى دعا النحاة لهذا التحليل و التعليل هو ما رأوه من جمعها و تأنيثها مع انطباق أوصاف القسم الأول عليها-فى الظاهر-فلجئوا إلى مسألة العدول و التحويل ليتغلبوا على هذه العقبة و يجعلوا قاعدة: «أفعل التفضيل المجرد» مطردة.
قد يكون كلامهم سائغا من الوجهة الجدلية المحضة، لكنه من الوجهة الحقيقية مردود، ذلك أن العرب لا تعرف شيئا مما قالوه، و لم يدر بخلدها قليل أو كثير منه حين نطقوا بالتعبير السابق و أشباهه. فإبعادا لهذا التكلف و مسايرة للأمر الواقع، يحسن الأخذ ببعض مما قاله النحاة-بحق-و هو: أنها ليست للتفضيل فلا تنطبق عليها أحكامه، أو أنها خالفت القاعدة؛ فهى من الشاذ
(١، ١) الهمع جـ ٢ ص ١٠٤.
[٢] يقول العكبرى-فى كتابه: «إملاء ما منّ به الرحمن» جـ ١ ص ٤٥٦، سورة البقرة- ما نصه فى كلمة: «أخر» (لا تنصرف للوصف و العدل عن الألف و اللام؛ لأن الأصل فى «فعل» صفة أن تستعمل فى الجمع بالألف و اللام؛ كالكبرى و الكبر، و الصغرى و الصّغر) . ا هـ و هذا التعليل مردود كغيره بما ذكرناه هنا.