النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٠٨ - زيادة و تفصيل
د-إذا كان أفعل التفضيل المجرد [١] واجب الإفراد و التذكير فما بال العرب تقول: مرّ بنا سرب من الظباء، بعده أسراب أخر؛ فيأتون بكلمة: «أخر» مجموعة و مؤنثة؛ (إذ هى جمع، مفرده: «أخرى» ، «و أخرى» مؤنث لكلمة «آخر» الذى أصله «أأخر» على وزن: «أفعل» المذكر الدالّ على التفضيل؛ فهو من القسم المجرد) . فلم كانت «أخر» مجموعة و مؤنثة فى المثال السالف-و أشباهه- مع أن القاعدة تقتضى الإفراد و التذكير، و أن يقال: أسراب «آخر» (التى أصلها: «أأخر» كما أسلفنا) [٢] .
أجاب النحاة: إن كلمة: «أخر» ليست مما نحن فيه؛ لأسباب ثلاثة مجتمعة:
أولها: أنها فى استعمالاتها الصحيحة المختلفة-و منها المثال السالف و أشباهه-لا تدل على التفضيل؛ (أى: لا تدل على المشاركة و الزيادة) و إنما تدل على المغايرة المحضة، و المخالفة المجردة من كل معنى زائد عليها، فالكلام الذى تكون فيه يقتضى معنى المغايرة وحدها، لا معنى المفاضلة، أو نحوها. و هذا شأنها فى الاستعمالات الواردة، فمعنى سرب آخر و أسراب أخر هو: سرب مغاير، و أسراب مغايرات، بدون تفضيل فيهما.
و ثانيها: أنها-فى كلام العرب-لا يقع بعدها: «من» الجارة للمفضول، لا لفظا و لا تقديرا.
و ثالثها: أنها-فى كلامهم الفصيح تطابق و هى نكرة [٣]
[١] سبق الكلام عليه، فى ص ٤٠١.
[٢] أى: أن الأصل أن يقال مثلا: هذا ظبى آخر (و أصلها: أأخر) و هذه ظبية آخر (أأخر) لكنهم تركوا الأصل، و قالوا: ظبية أخرى؛ فأتوا بكلمة: «أخرى» التى هى المفردة المؤنثة لكلمة: آخر.
و الأصل أيضا أن يقال: هذان ظبيان آخر (و أصلها: أأخر، و هاتان ظبيتان آخر) و لكنهم تركوا الأصل، و قالوا: آخران، فى تثنية المذكر، و أخريان فى تثنية المؤنث.
و كذلك الأصل أن يقال: هؤلاء ظباء آخر (أأخر) و هؤلاء ظبيات آخر (أأخر) .
لكنهم تركوا الأصل أيضا، و قالوا: أخر، التى هى جمع مؤنث، مفرده: أخرى.
[٣] أى: أنها لو كانت للتفضيل و هى نكرة، لوجب عدم مطابقتها؛ كى تساير المسموع الكثير.