النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٤٠ - المسألة ٣٦
المسألة ٣٦:
المبتدأ المعرفة، و المبتدأ النكرة
إذا قلنا: الطيار شجاع-الوطنى مخلص-العربىّ كريم... حكمنا على الطيار بالشجاعة، و على الوطنى بالإخلاص، و على العربى بالكرم. أى: حكمنا على المبتدأ بحكم معين؛ هو: الخبر. فالمبتدأ فى هذه الجمل الاسمية-و-نظائرها محكوم عليه دائما بالخبر، و المحكوم عليه لا بد أن يكون معلوما، و لو إلى حدّ مّا، و إلا كان الحكم لغوا لا قيمة له؛ لصدوره على مجهول [١] ، و صارت الجملة غير مفيدة إفادة تامة، مثل: زارع فى القرية... صانع فى المصنع... يد متحركة... جسم مسرع... و غيرها مما لا يفيد الإفادة الحقيقية المطلوبة؛ بسبب عدم تعيين المبتدأ، أو عدم تخصيصه. أى: بسبب تنكيره تنكيرا تامّا؛ لهذا امتنع أن يكون المبتدأ نكرة [٢] إذا كان غير وصف، لأنها شائعة مجهولة فى الغالب. فلا يتحقّق معها الغرض من الكلام؛ و هو: الإفادة المطلوبة، فإن هذه الإفادة هى السبب أيضا فى اختيار المعرفة لأن تكون هى المبتدأ حين يكون أحد ركنى الجملة معرفة و الآخر نكرة [٣] ؛ مثل: شجرة المتحركة. لكن إذا أفادت النكرة الفائدة المطلوبة صح وقوعها مبتدأ.
و قد أوصل النحاة مواضع النكرة المفيدة حين تقع مبتدأ إلى نحو أربعين موضعا. و لا حاجة بنا إلى احتمال العناء فى سردها، و استقصاء مواضعها، ما دام الأساس الذى تقوم عليه هو: «الإفادة» فعلى هذا الأساس وحده يرجع الحكم على صحة الابتداء بالنكرة، أو عدم صحته، من غير داع لحصر المواضع أو
[١] سبق إيضاح هذا فى رقم ٧ من ٤٠١
[٢] إنما يمتنع أن يكون المبتدأ نكرة إذا كان له خبر. أما إذا كان وصفا له فاعل أو نائب فاعل يغنى عن الخبر فلا يكون إلا نكرة (كما سبق فى ص ٤٠٣) ، و لا يحتاج لمسوغ؛ لأن المبتدأ فى هذه الحالة يكون محكوما به، بمنزلة الفعل، لا محكوما عليه. و الفعل فى مرتبة النكرة كما فى هامش ص ١٨٨ و ٤٠١.
[٣] إلا فى مسألتين يجوز فى كل منهما الابتداء و الخبرية؛ هما: «كم» . و «أفعل التفضيل» ، فى مثل كم مالك؟و خير من على محمود.