النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٢ - زيادة و تفصيل
و لهم فى اسم الجنس الجمعىّ-من ناحية أنه جمع تكسير، أو أنه قسم مستقل بنفسه-آراء متضاربة و مجادلات عنيفة؛ لا خير فيها، و إنما الخير فى الأخذ بالرأى القائل: إنه جمع تكسير [١] . و هو رأى فيه سداد، و تيسير، و لن يترتب على الأخذ به مخالفة أصل من أصول اللغة، أو خروج على قاعدة من قواعدها، و أحكامها السليمة.
هذا من جهة الجمع أو عدمه. بقى الكلام فى المراد من: «اسم الجنس» و المعنى الدقيق له. و فيما يلى إشارة موجزة إليهما [٢] :
إن كلمة مثل كلمة: «حديد» تدل على معنى خاص؛ هو: تلك المادة المعروفة، و ذلك العنصر المفهوم لنا. فمن أين جاء لنا فهمه؟و كيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى و إقراره فى باطنه؟
رأينا قطعة من الحديد أول مرة، ثم قطعة أخرى بعد ذلك، ثم ثالثة، فرابعة، فخامسة، ... و لم نكن نعرف الحديد، و لا اسمه، ثم استعملنا تلك القطع فى شئوننا، و عرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية؛ و إذا رأينا بعد ذلك قطعا من صنفها فإننا نعرفها، و لا تكون غريبة على عقولنا، و نشعر بحاجة إلى اسم نسمى به هذا الصنف...
فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر (أى: من صنف آخر) كالذهب، و لم نكن استعملناه فى شئوننا-و عرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية؛ فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه، بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد، و نتصور معناه تصورا عقليّا من غير حاجة إلى رؤية تلك القطع و النماذج؛ فوضعنا للجنس الأول اسما هو: «الحديد» ، و وضعنا للجنس الثانى اسما يخالفه هو: «الذهب» . فالحديد اسم لذلك الجنس (الصنف المعروف) ، و كذلك «الذهب» ، و غيرهما من أسماء الأجناس... و صرنا بعد ذلك حين نسمع كلمة:
«الذهب» أو «الحديد» ندرك المراد منها إدراكا عقليا بحتا، فيقفز إلى ذهننا مباشرة مدلولها الخاص، من غير ربط-فى الغالب [٣] -بينها و بين شىء آخر
[١] راجع الأشمونى، و هامش التصريح، و شرح الشذور عند الكلام على المسألة المذكورة.
[٢] أما التفصيل، و بسط الإيضاح فمكانهما ص ٢٥٩ من باب العلم، (فى النكرة و المعرفة) .
[٣] لأن اسم الجنس الآحادى الذى سيجىء الكلام عليه يرتبط بصورة فرد من أفراده.