النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٧٢ - المسألة ٥١
يسبقها كلام له صلة معنوية بمعموليها [١] . و فى: «كأن» : التشبيه [٢] ؛ و فى:
قو مثال ذلك قولنا: «هذا غنى» فيخطر بالبال أنه محسن بسبب غناه، فإن كان غير محسن أسرعنا إلى إزالة الخاطر بمجىء ما يدل على ذلك، مثل كلمة: «لكن» و بعدها المعمولان، فنقول: «هذا غنى لكنه غير محسن» . و مثل: الكتاب رخيص، فيقع فى الخاطر أنه قليل النفع. فإن كان غير ذلك بادرنا بمجىء كلمة: «لكن» مع معموليها لإزالة هذا الوهم؛ فنقول: «الكتاب رخيص، لكنه كبير النفع... » و هكذا، فلا بد أن يكون قبلها كلام يتضمن معنى أصليا يوحى بمعنى فرعى ناشىء منه. و هذا المعنى الفرعى هو الذى يراد إبعاده بكلمة: «لكنّ» ، و يعبر النحاة عن هذا بقولهم فى الاستدراك إنه:
«تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته، أو إثبات ما يتوهم نفيه» . و هذا يقتضى أن يكون المعنى بعدها مخالفا للمعنى الفرعى الذى يفهم مما قبلها، و مغايرا له. و تقع بعد النفى و الإثبات. فإن كان المعنى الفرعى الذى قبلها موجبا كان ما بعدها منفيا فى معناه، و إن كان المعنى الفرعى قبلها منفيا فى معناه كان ما بعدها موجبا، فمعناها ينبئ عن المغايرة و المخالفة بين ما بعدها و ما قبلها. من غير حاجة إلى أداة نافية فى أحدهما و لا يصح أن تكون الجملة الاسمية بعدها خبرا عن مبتدأ أو عن ناسخ قبلها-و لا غير خبر أيضا-كما سنعرف.
و استعمال «لكنّ» فى الاستدراك هو الأعم الأغلب. و من الجائز استعمالها فى بعض الأحيان لمجرد تأكيد المعنى، كما كان يستعملها الفصحاء؛ مثل: «لو اعتذر المسىء لتناسيت إساءته؛ لكنه لم يعتذر» فهى هنا لتأكيد عدم الاعتذار، و هو مفهوم بدونها من كلمة: «لو» التى تفيد نفى معنى الكلام المثبت بعدها.
و من الآيات المشتملة على «لكن» قوله تعالى: «لََكِنَّا هُوَ اَللََّهُ رَبِّي » و أوضح الآراء فيها أن تقدير الكلام: لكن (بسكون النون) أنا هو اللّه ربى. فحذفت الهمزة تخفيفا، و أدغمت النون فى النون؛ فصارت: لكنا- (بنون مشددة بعدها ألف) .
و «لكن» مشددة النون-هى التى تعد من أخوات «إن» فى العمل. أما: «لكن» مخففة النون (أى: الساكنة النون) فليست من أخوات «إن» و لا من النواسخ. بالرغم من أن معناها: «الاستدراك» أيضا. كما سيجىء فى جـ ٣ باب العطف.
[١] أى: لا بد أن تتوسط بين جملتين كاملتين، بينهما نوع اتصال معنوى، -لا إعرابى- بحيث تكون فى صدر الثانية منهما، و لا يصح فى الجملة الثانية المصدرة بها أن تقع خبرا-أو غيره- عن شىء سابق على «لكنّ» ، كما أشرنا-راجع رقم ٣ من هامش ص ٥٧١-أما ما ورد فى كلام السابقين المولدين من نحو: فلان و إن كثر ماله-لكنه بخيل، أو: إلا أنه بخيل فقد سبق بيان الرأى فيه (و ص ٤٠٨) .
[٢] المراد: تشبيه اسمها بخبرها فيما يشتهر به الخبر. و التشبيه بها أقوى من التشبيه بالكاف؛ فمثل: كأن الجمل فيل فى الضخامة، أقوى فى التشبيه من: «الجمل كالفيل فى الضخامة» . و لا يليها -فى الغالب-إلا المشبه. أما «الكاف» و «مثل» .. و... و أضرابهما فيليها المشبه به فى الأكثر، على الصورة التى فصلها البيانيون فى كل ذلك. و استعمالها فى التشبيه مطرد فى سائر أحوالها عند جمهرة النحاة.
و لكن فريقا يقول: إنها لا تكون للتشبيه إلا حين يكون خبرها اسما أرفع من اسمها قدرا. أو أحط منه؛ نحو: كأن الرجل ملك. أو: كأن اللص قرد. أما إذا كان خبرها جملة فعلية، أو ظرفا، أو جارا مع مجروره، أو صفة من صفات اسمها-فإنها للظن؛ نحو: كأن محمودا وقف، أو واقف، أو عندك، أو فى الدار... لأن محمودا هو نفس الواقف، و نفس المستقر عندك، أو فى الدار... و الشىء لا يشبه بنفسه. و يقول الذين يرونها للتشبيه باطراد: إنها فى الأمثلة السابقة و نظائرها-جارية على أداء مهمتها الأصلية؛ و هى: التشبيه باعتبار أن المشبه به محذوف، فالأصل: كأن محمودا شخص وقف، أو شخص واقف، أو شخص عندك، أو شخص فى البيت... أو باعتبار المشبه به هو نفس المشبه، و لكن فى حالة أخرى له. و لا مانع عندهم من تشبيه الشخص فى حالة معينة-بنفسه فى حالة أخرى تخالفها، فيكون المراد: كأن محمودا فى حاله و هو غير واقف شبيه بنفسه و هو واقف... و الخلاف شكلى، و لكن هذا الرأى أنسب لأنه عام ينطبق على كل الحالات، و يريحنا من التشتيت و الخلاف، و تشعيب القواعد.
و الأخذ بهذا الرأى أو ذاك إنما يكون حيث لا توجد القرينة التى تعين المراد. فإن وجدت وجب الأخذ بها.