النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤ - بيان هامّ
مطلع القرن التاسع عشر مبدأ لها. فمن هذا المبدأ ألح الوهن و الضعف، على النحو، و تمالأت عليه الأحداث؛ فأظهرت من عيبه ما كان مستورا، و أثقلت من حمله ما كان خفّا، و زاحمته العلوم العصرية فقهرته، و خلفته وراءها مبهورا. و نظر الناس إليه فإذا هو فى الساقة من علوم الحياة، و إذا أوقاتهم لا تتسع للكثير بل للقليل مما حواه، و إذا شوائبه التى برزت بعد كمون، و وضحت بعد خفاء-تزهدهم فيه، و تزيدهم نفارا منه، و إذا النفار و الزهد يكران على العيوب؛ فيحيلان الضئيل منها ضخما، و القليل كثيرا، و الموهوم واقعا. و إذا معاهد العلم الحديث تزورّ عنه، و تجهر بعجزها عن استيعابه، و استغنائها عن أكثره، و تقنع منه باليسير أو ما دون اليسير؛ فيستكين و يخنع.
و الحق أن النحو منذ نشأته داخلته-كما قلنا-شوائب؛ نمت على مر الليالى، و تغلغلت برعاية الصروف، و غفلة الحراس؛ فشوهت جماله، و أضعفت شأنه، و انتهت به إلى ما نرى.
فلم يبق بد أن تمتد إليه الأيدى البارّة القوية، متمالئة فى تخليصه مما شابه، متعاونة على إنقاذه مما أصابه. و أن تبادر إليه النفوس الوفية للغتها و تراثها؛ المعتزة بحاضرها و ماضيها؛ فتبذل فى سبيل إنهاضه، و حياطته، و إعلاء شأنه-ما لا غاية بعده لمستزيد.
و من كريم الاستجابة أن رأينا فى عصرنا هذا-طوائف من تلك النفوس البارّة الوفية سارعت إلى النجدة؛ كلّ بما استطاع، و بما هو ميسر له؛ فمنهم من ذلل للناشئة لغته، أو اختصر قاعدته، أو أوضح طريقة تدريسه، أو أراحهم من مصنوع العلل، و ضارّ الخلاف، أو جمع بين مزيتين أو أكثر من هذه المزايا الجليلة الشأن. لكنا-على الرغم من ذلك-لم نر من تصدى للشوائب كلها أو أكثرها؛ ينتزعها من مكانها، و يجهز عليها ما وسعته القدرة، و مكنته الوسيلة؛ فيريح المعلمين و المتعلمين من أوزارها. و هذا ما حاولته جاهدا مخلصا قدر استطاعتى، فقد مددت يدى لهذه المهمة الجليلة، و تقدمت لها رابط الجأش، و جمعت لها أشهر مراجعها الأصيلة، و مظانها الوافية الوثيقة، و ضممت إليها ما ظهر فى عصرنا من كتب، و أطلت الوقوف عند هذه و تلك؛ أديم النظر، و أجيل