النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٣ - المسألة ٥
و أنه يبتدىء من القاهرة. فكأنى أقول: سافرت، و كانت نقطة البدء فى السفر هى: «القاهرة» ، فكلمة: «من» أفادت الآن معنى جديدا ظهر على ما بعدها و هذا المعنى هو: ''الابتداء‘‘، لم يفهم و لم يحدد إلا بوضعها فى جملة؛ فلهذه الجملة الفضل فى إظهار معنى: «من» .
و لو قلت: سافرت من القاهرة «إلى» العراق-لصار معنى هذه الجملة:
الإخبار بسفرى الذى ابتداؤه القاهرة، و نهايته العراق. فكلمة: «إلى» أفادت معنى ظهر هنا على ما بعدها؛ و هذا المعنى هو: ''الانتهاء‘‘. و لم يظهر و هى منفردة، و إنما ظهر بعد وضعها فى جملة؛ كانت السبب فى إظهاره.
و كذلك: حضرت من البيت إلى النهر؛ فقد أفادت الجملة كلها الإخبار بحضورى، و أن أول هذا الحضور و ابتداءه: «البيت» ، و أن نهايته و آخره:
«النهر» . فأفادت: «إلى» الانتهاء، و صبّته على ما بعدها. و هذا الانتهاء لم يفهم منها إلا بسبب التركيب الذى وضعت فيه.
و لو قلت: الطلبة فى الغرفة-لكان المعنى؛ أن الطلبة تحويهم الغرفة؛ كما يحوى الإناء بعض الأشياء، و كما يحوى الظرف المظروف، أى: كما يحوى الوعاء أو الغلاف ما يوضع فى داخله. فمعنى كلمة: «فى» هو''الظرف‘‘، أو:
''الظرفية‘‘، و هذا المعنى لم يفهم من لفظة: «فى» وحدها، و إنما عرف منها بعد أن احتواها التركيب، فظهر على ما بعدها... و هكذا بقية أحرف الجر، و غيرها من أكثر الأنواع الأخرى المختلفة؛ كحروف النفى، و الاستفهام، و سواها...
فالحرف: «كلمة لا تدل على معنى فى نفسها، و إنما تدل على معنى فى غيرها فقط-بعد وضعها فى جملة-دلالة خالية من الزمن» [١] .
ق (إلغاؤها عن العمل مع إرادة معناها، و هو الدلالة على الزمان، و ذلك نحو قولك: ما كان أحسن زيدا، إذا أريد أن الحسن كان فيما مضى. فـ «ما» مبتدأ على ما كانت عليه، و «أحسن زيدا» الخبر- و «كان» ملغاة عن العمل، مفيدا للزمان الماضى، كما تقول: من كان ضرب زيدا-تريد: من ضرب زيدا-و من كان يكلمك، تريد: من يكلمك. فكان تدخل فى هذه المواضع و إن ألغيت من الإعراب فمعناها باق. و هى هنا نظيرة: «ظننت» إذا ألغيت، فإنه يبطل عملها و معنى الظن باق؛ ذلك أن الزيادة على ضربين، زيادة مبطلة العمل مع بقاء المعنى الزمنى، -كما سبق-و زيادة لا يراد بها أكثر من التأكيد فى المعنى، و إن كان العمل باقيا؛ نحو: ما جاءنى من أحد. و مثله قولهم: بحسبك محمد، و المراد:
حسبك، و مثل: «و كفى باللّه شهيدا» ، و المراد كفى اللّه... ) ا. هـ و ستجىء إشارة موضحة لهذا فى ص ٦٥ و فى باب «كان و أخواتها» و الواجب ترك استعمال «كان» الزائدة إذا أوقعت فى لبس.
[١] هذا التعريف فى اصطلاح النحاة. لكن يجرى فى استعمال بعض المراجع اللغوية و القدماء إطلاقه أحيانا على الكلمة، مهما كان نوعها. أما ظهور معناه على ما بعده ففيه تفصيل يجىء فى ص ٦٥.