النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٨٤ - زيادة و تفصيل
و كلمة: «كيف» : تدل على معنى فى نفسها، و هو: الحال، و تدل على معنى فيما بعدها، و هو: الاستفهام، على الوجه السالف، و كذلك أسماء الشرط... فإن كلمة: «من» تدل على العاقل-غالبا-بنفسها، و كلمة: «ما» تدل -غالبا-على غير العاقل بنفسها، و هما تدلان على التعليق و الجزاء فيما بعدهما؛ فكأن كل كلمة من أسماء الاستفهام، و أسماء الشرط، و نحوها-تقوم مقام كلمتين فى وقت واحد، إحداهما: اسم يدل على مسمى، و الأخرى: حرف يدل على معنى فى غيره، و هذا الحرف يجب حذفه لفظا، لوجود الاسم الذى يتضمنه تقديرا [١] و يؤدى معناه تماما. و من هنا نشأ التشابه بين نوع من الأسماء و الحروف-فى خيال بعض النحاة-فاستحق ذلك النوع من الأسماء البناء؛ لعدم تمكنه فى الاسمية تمكنا يبعده من مشابهة الحرف.
و لا يكتفون بذلك بل يسترسلون فى خلق علل يثبتون بها أن الأصل فى البناء السكون، و أن العدول عن السكون إلى الحركة إنما هو لسبب، و أن الحركة تكون ضمة، أو فتحة، أو كسرة، لسبب آخر، بل لأسباب!!فما هذا الكلام [٢] ؟ و ما جدواه لدارسى النحو؟أيعرفه العرب الخلّص أصحاب اللغة، أو يخطر ببالهم؟
علينا أن نترك هذا كله فى غير تردد، و أن نقنع بأن العلة الحقيقية فى الإعراب و البناء ليست إلا محاكاة العرب فيما أعربوه أو بنوه. من غير جدل زائف، و لا منطق متعسف، و أن الفيصل فيهما راجع (كما قال بعض السابقين [٣] ) إلى أمر واحد؛ هو: «السماع عن العرب الأوائل» ، و اتباع طريقتهم التى نقلت عنهم، دون الالتفات إلى شىء من تلك العلل، التى لا تثبت على التمحيص. و على هذا
[١] راجع الصفحة الأولى من الجزء الثامن من شرح المفصل القسم الثالث: الحروف.
[٢] نرى بعضه فى حاشية الخضرى و شروح التوضيح و الصبان و غيرها... أول باب المعرب و المبنى.
[٣] حاشية الخضرى الجزء الأول-أول المعرب و المبنى، عند الكلام على بناء الأفعال، و حاشية الأمير على الشذور عند الكلام على المضارع. و كذلك ما أشرنا إليه فى المقدمة-هامش ص ٨-من رأى «أبى حيان» الوارد فى «الهمع» جـ ١ ص ٥٦ حيث يقول عن تعليلات النحاة لحركة الضمير: «إنها تعليل وضعيات، و الوضعيات لا تعلل» يريد بالوضعيات: الألفاظ التى وضعها العرب على صورة خاصة و شكل معين من غير علة للوضع، و لا سبب سابق يدعو إلى اختيار هذه الصورة و ذلك الشكل؛ فليس هناك سبب إلا مجرد النطق المحض.