النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٦٢ - المسألة ٣٩
ق-الخبر هو: أن يسأل سائل: من عندكما؟فتقول: «زيد» . التقدير «زيد عندنا» ؛ فحذف الخبر و هو «عندنا» ؛ للعلم به على الوجه السالف.
و أتى فى البيت الثانى. بمثال لحذف المبتدأ؛ أن يسأل سائل: كيف زيد؟فيكون الجواب:
«دنف» أى: شديد المرض «فدنف» خبر المبتدأ الذى استغنى عنه فحذف، و أصل الجملة: زيد دنف.
و قد ردد فى كلامه اسم: «زيد» على عادة قدامى النحاة فى كثرة ترديده خلال أمثلتهم، هو، و عمرو، و بكر، و خالد.. حتى صار التمثيل بهذه الأسماء بغيضا؛ لابتذاله. يتحاشاه-بحق-أهل البلاغة و المقدرة الفنية.
و بهذه المناسبة نشير إلى أن كلمة: «كيف» أو «كى» -كما ينطقها بعض العرب-هى فى أكثر استعمالاتها: إما اسم مبنى على الفتح، معناه الاستفهام عن حالة الشىء، و السؤال عن هيئته الطارئة عليه، دون السؤال عن ذاته و حقيقته، و إما اسم معرب، لا يدل على استفهام، و إنما يدل على الحال المجردة، و الهيئة المحضة، بأن يكون بمعنى «الكيفية» . و إما شرطية غير جازمة. فلها حالات ثلاث لا تكاد تخرج عنها. و لكل حالة أحكامها التى نوضحها فيما يلى.
ا-فالاستفهامية لها الصدارة فى جملتها. و هى مبنية على الفتح وجوبا فى كل مواقعها المختلفة باختلاف الأساليب التى تحتويها. و ضابط إعرابها أن ننظر إلى العامل بعدها؛ فإن كان محتاجا إليها باعتبارها جزءا أساسيا لا يستغنى عنه فإنها تعرب على حسب حاجته، فتكون خبرا فى مثل: كيف أنت؟لأن العامل الذى بعدها مبتدأ يحتاج للخبر؛ فهى الخبر له، مبنية على الفتح فى محل رفع. و كذلك هى الخبر فى مثل: كيف بك؛ و كيف به، -بالإيضاح الذى سبق فى رقم ٢ من هامش ص ٤٠٥-و فى مثل: كيف كنت؟تعرب خبرا «لكان» ، مبنية على الفتح أيضا فى محل نصب؛ لاحتياج «كان» لخبر. و فى مثل: كيف ظننت الضيف؟تكون مبنية على الفتح فى محل نصب، مفعولا ثانيا للفعل: «ظن» -و هو من الأفعال التى تحتاج لمفعولين، أصلهما المبتدأ و الخبر-فإن كان ما بعدها غير محتاج لها احتياجا أساسيا على الوجه السالف بقيت مبنية على الفتح أيضا. و لكن فى محل نصب دائما؛ إما لأنها حال؛ نحو: كيف حضر الضيف (أى: حضر الضيف فى أى حال؛ و على أى هيئة) و إما لأنها مفعول مطلق؛ نحو (أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ اَلْفِيلِ ؟) «فكيف» مفعول مطلق. و المعنى: فعل ربك بأصحاب الفيل أىّ فعل...
فهى فى كل ما سبق اسم استفهام مبنى على الفتح فى محل رفع، أو نصب على حسب حاجة العامل، و لا تكون فى محل جر مع بقائها استفهامية إلا سماعا فى بعض أمثلة نادرة لا يقاس عليها؛ منها قولهم: على كيف تبيع الأحمرين؟
و لسيبويه رأى آخر حسن فى معنى «كيف» الاستفهامية، و فى إعرابها. و قد اضطرب النحاة فى شرحه إلى أن تناوله «الخضرى» فى حاشيته فأزال عنه الغموض و الخفاء، و كشف بشرحه السبب فى استحسان صاحب «المغنى» و تأييده لذلك الرأى. و ملخصه: أن معنى: «كيف» الاستفهامية عند سيبويه شىء واحد، هو السؤال عن الحال و الهيئة الطارئة على الأمر المسئول عنه، و أن من يقول: كيف محمد؟و كيف الجو؟ يريد: فى أى حال؛ محمد؟و على أى حال الجو؟فمعناها اللفظى الدقيق هو: -فى أى حال؟، أو: على أى حال؛ بحيث تستطيع أن تحذف لفظها و تضع مكانه هذا الذى بمعناه، فلا يتأثر المراد. و هذا معنى قول سيبويه إنها: «ظرف» مبنى على الفتح؛ -لأن كلمة: «ظرف» يراد منها أحيانا الجار مع مجروره. ثم هو يريد الظرفية المجازية؛ كالتى فى مثل: فلان فى حالة حسنة. و لا يريد الظرفية الحقيقية النحوية التى تقتضى أن يكون الظرف منصوبا على الظرفية؛ إذ لا تدل هنا على زمان أو مكان، و إنما يريد ما قدمناه من نحو: فى أى حال-و على أى هيئة... و بهذا تكون «كيف» عنده مبنية على الفتح فى محل رفع أو نصب، على حسب حاجة العوامل، و لا تكون فى محل جر، و لا مقصورة على النصب للظرفية أو لغيرها.