النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٥٨ - المسألة ٢٢
من سائر النكرات تدل على مدلول واحد، لفرد واحد، و لكن هذا الفرد شائع، له نظائر و أشباه كثيرة قد تبلغ الآلاف... ، و يصلح كل منها أن يكون هو المقصود، و ليس بعضها أولى من بعض فى ذلك، فإذا أردنا لهذه الكلمة أن تدل على مدلول واحد معين لا ينطبق على غيره وجب أن نضم إليها زيادة لفظية أو معنوية تجعل مدلولها مركزا فيه وحده بغير شيوع، كأن تقول: رأيت رجلا فى النادى، فصافحت الرجل. أو هذا رجل، أو: أعجبنى هذا. مشيرا إلى شىء حسى أو معنوى معروف متميّز، أو: أكرمت الذى زارك. فوجود «أل» فى كلمة «الرجل» بالطريقة السالفة جعلتها تدل على معين. و وجود الإشارة الحسية أو المعنوية جعلت كلمة: «هذا» تدل على معين. و وجود صلة الموصول-و هى لفظية -جعلت كلمة: «الذى» تدل على معين. و وجود قرينة التكلم أو الخطاب جعلت ضميرهما يدل على معين. و هكذا؛ فلو لا الزيادة التى انضمت إلى كل واحدة ما حصل التعيين و التخصيص... و من هنا يتضح الفرق بين كلمات القسم الأول التى هى نوع من المعرفة يسمى: «العلم الشخصى» [١] أو «علم الشخص» و كلمات القسم الثانى التى هى نكرة قبل وجود الزيادة التى انضمت إليها. ثم صارت بعدها نوعا من أنواع المعرفة. فكلمات القسم الأول تستمد من ذاتها وحدها التعيين و التحديد، بخلاف الثانية. و هذا معنى قولهم فى تعريف العلم:
«إنه اللفظ الذى يدل على تعيين مسماه تعيينا مطلقا» ، أى: غير مقيّد بقرينة تكلم، أو خطاب، أو غيبة، أو إشارة حسية، أو معنوية، أو زيادة لفظية؛ كالصلة... او غير ذلك من القرائن اللفظية أو المعنوية التى توضح مدلوله، و تحدد المراد منه. فهو غنى بنفسه عن القرينة، لأنه علم [٢] مقصور على مسماه، و شارة خاصة به وافية فى الدلالة عليه. و كل كلمة من كلمات القسم الثانى
[١] لأن مدلوله فى الغالب شىء مشخص، أى: مجسم، محسوس، متميز من غيره. و قد يكون شيئا ذهنيا؛ كالعلم الذى يسمى به الجنين المنتظر ولادته، و كالعلم الدال على قبيلة معينة؛ بحيث يراد به مجموع من وجد فيها و من سيوجد، فإن هذا المجموع لا وجود له إلا فى الذهن فقط، و لا وجود له فى خارج الذهن، إذ لا يقع تحت الحس. و هذا النوع يسمى: العلم الذهنى، أى: الموضوع لمعين فى الذهن فقط، متخيل وجوده فى خارجه.
[٢] علامة.