النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٥٩ - المسألة ٢٢
و أشباهها تسمى نكرة [١] .
[١] و قد سبق تعريفها و إيضاحها فى أول باب: «النكرة و المعرفة» ص ١٨٦ و النكرة تسمى أيضا: «اسم جنس» عند جمهرة كبيرة من النحاة لا ترى فرقا بينها و بين اسم الجنس فإن كانت لمعين فهى النكرة المقصودة؛ و إن كانت لغير معين فهى النكرة غير المقصودة-كما سيجىء فى باب «النداء» جـ ٤- و فى هذا الرأى تخفيف و تيسير من غير ضرر؛ فيحسن الأخذ به. أما غيرهم فيرى فرقا بين الاثنين، يوضحه بقوله الذى سبق أن لخصناه فى الباب الأول (فى ص ٢٢) ، عند الكلام على اسم الجنس، و فى هذا الباب عند الكلام على النكرة. (هامش ص ١٨٦) . و مضمونه: أن النكرة هى نفس الفرد الشائع بين أشباهه، و هى المدلول الحقيقى المراد من اللفظ؛ و ليست معناه الخيالى المجرد، القائم فى الذهن. و أما اسم الجنس فهو الاسم الموضوع لذلك المعنى الذهنى المجرد؛ ليدل عليه من غير تذكر-فى الغالب-لفرد من أفراده الخارجية، و لا استحضار لصورته فى دائرة الذهن، و من غير ربط-فى الغالب-بين اللفظ و مدلوله الحقيقى؛ فكلمة: «رجل» مثلا، إن أريد منها الجسم الحقيقى المعروف؛ المكون من الرأس، و الجذع، و الأطراف، فهى النكرة؛ و تنطبق على كل جسم حقيقى به تلك الأجزاء الثلاثة بفروعها.
أما إن أريد منها المعنى القائم فى الذهن لكلمة: «رجل» ، و هو المعنى الخيالى الذى يخلقه العقل، و يتصوره بعيدا عن صورة صاحبه، و عن استحضار هيئة فرد من الأفراد التى تنطبق عليها تلك الصورة- فهى اسم الجنس، و مدلوله هو المعنى المجرد، أو: الحقيقة الذهنية المجردة، أو: المعنى الخيالى العام.
و يوضحون ذلك بأن المعنى المجرد، أو: الحقيقة الذهنية المجردة، أو: المعنى الخيالى العام-متعدد الأصناف فى داخل الذهن؛ فلا بد أن يكون لكل صنف اسم يميز، من الآخر؛ فتلك الأصاف الذهنية التى هى المعانى المجردة... تسمى: الأجناس، و يسمى الذى يميز كل واحد: «اسما للجنس» أو «اسم الجنس» أى: الاسم الموضوع لهذا الجنس؛ ليفرق بينه و بين جنس آخر؛ كما وضع «رجل» اسما للصنف المعروف من المخلوقات، ليتميز من صنف آخر كالشجر، و الطيور.
و لكن كيف ينشأ فى الذهن هذا المعنى المجرد؟و كيف تتكون تلك الحقيقة الذهنية فيه فتنطبق على أفراد كثيرة؟كيف يدرك العقل معنى: شجرة-مثلا-إدراكا مجردا؟و من أين يصل إلى هذا؟ و كيف؟
يقولون-كما أشرنا فى صفحتى ٢٢ و ١٨٦-إن أصناف النبات الكبير متعددة؛ كالنخل، و البرتقال، و الليمون... و قد رأى المرء النخلة مرات، و فى كل مرة يحس و يدرك شيئا من أوصافها. ثم رأى البرتقال كذلك، ثم الليمون... ثم.. ثم. و بعد تعدد المرات فى أزمنة متباينة-كشف العقل فى تلك الأشياء صفات مشتركة، و انتزع من مجموع تلك الصفات المشتركة معنى مجردا واحدا، ينطبق فى خارج الذهن على كل فرد من الأفراد السابقة، و على مئات و آلاف غيرها تشبهها فى تلك الأوصاف التى عرفها. فماذا نسمى المعنى العقلى الخالص؟أو: ما اسم الحقيقة الذهنية المحضة التى ولدتها تلك المشاهدات، كى نميزها من المعانى الذهنية الأخرى الكثيرة؟سميناها: «شجرة» . فكلمة:
«شجرة» هى اسم لشىء أدركه الذهن من صفات مشتركة بين أفراد خارجة عنه، لا وجود لها فى داخله، و إنما هى فى خارجه؛ فليس فى الذهن شجرة حقيقية لنوع من أنواع النبات، و إنما هى-كما شرحنا-بارزة فى خارجه. فكلمه: «شجرة» اسم يدل على جنس يدرك العقل معناه تخيلا. أما حقيقته الواقعية المجسمة، المنطبقة على أفراده-فهى فى خارج الذهن. و متى انتزع العقل المعنى المجرد أمكنه بعد ذلك أن يدرك مدلوله من غير حاجة-فى الغالب-إلى استرجاع صورة حقيقية لفرد من أفراده.
و ما يقال عن «شجرة» يقال عن كل معنى عام عقلى آخر، أى: أن العقل يدرك المراد منه من غير حاجة إلى استحضار صورة من صور أفراده.
و إليك كلمة: «إنسان» أيضا، فقد رأى المرء محمودا، و حاتما، و أمينا، و فريدة، و مية...
و تكررت مشاهدته لهذه الأفراد، و استخدام حواسه فيها؛ حتى استطاع العقل بعد ذلك أن ينتزع من الصفات المشتركة بينها معنى واحدا ذهنيا للإنسان، له أفراده و مدلولاته الحقيقية الكثيرة ليست فى داخل الذهن؛ و إنما هى فى العالم الخارجى الحسى البعيد عن النطاق الداخلى للذهن. فهو معنى واحد عام يدل على