النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٦٩ - زيادة و تفصيل
فى تكوين الجملة [١] .
[١] تقضى تلك الأصول بأن الجملة الواحدة لا يصح أن تجمع فى وقت واحد بين صيغتين مختلفتين لخطاب اثنين مختلفين؛ كأن تكون إحدى الصيغتين فعل أمر، أو ما ينوب عنه، و الخطاب فيها متجها لشىء، و تكون الصيغة الأخرى مخالفة للأولى فى لفظها و فى المخاطب الذى تتجه إليه. فلو تعلق الجار و المجرور بالمصدر لفسد المعنى؛ لأن المصدر فى مثل: «سقيا» نائب عن فعل الأمر: «اسق» -و له فاعل كفعل الأمر، و فاعله مستتر فيه تقديره: «أنت» و يصح أن يقال: أنه محذوف تقديره: «أنت» طبقا للبيان الذى سنذكره بعد؛ فهو يتضمن كفعله مخاطبة «اللّه» بالدعاء، فى الوقت الذى يتضمن فيه الضمير المجرور مخاطبة شىء آخر تدعو اللّه له، و بهذا تشتمل الجملة الواحدة على الخطابين اللذين لا يجتمعان؛ لأن اجتماعهما يفسد المعنى (إذ يكون التقدير: اسق يا أللّه لك. فيؤدى هذا إلى أن: اللّه منه السقى، و له السقى، و الشطر الثانى فاسد) و لهذا قالوا-بحق-: إن «سقيالك» و ما هو على نمطها ليس جملة واحدة، و إنما هو جملتان؛ إحداهما: «سقيا» ؛ فكلمة: «سقيا» مصدر نائب عن فعل الأمر و يعرب مفعولا مطلقا منصوبا، و فاعله مستتر فيه أو محذوف-كما تقدم، و كما يجىء-و تقديره فى الحالتين: «أنت» و الأخرى: «لك» . فالجار: مع مجروره خبر لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره: الدعاء... و أصل الجملة الثانية: الدعاء لك؛ و أصل الكلام كله: سقيا (بمعنى: اسق يا أللّه) الدعاء لك أيها المخاطب الذى أدعو اللّه لك.
و مما يستحق التنويه أن الضمير الواقع بعد ذلك المصدر (و هو ضمير الخطاب المجرور) له اتصال معنوى بالجملة الأولى، مع أنه فى جملة بعدها مستقلة عنها فى الإعراب، و سبب ذلك الاتصال المعنوى:
أنه قد يكون هو المقصود من الأولى، و الذى ينصبّ عليه ما فيها من دعاء أو غيره؛ فكأنه من جهة المعنى- لا من جهة الإعراب-مفعول به. فمعنى «سقيا لك» . اسق يا رب فلانا... فمن فلان هذا؟أين هو فى الكلام؟لا يتحقق إلا فى المخاطب الواقع بعد اللام. فظاهره أنه مجرور باللام، و لكنه فى حقيقته المعنوية بمنزلة المفعول به؛ مع أنه لا يعرب مفعولا به؛ إذ لا بد من اعتبار الكلام جملتين عند الإعراب -كما أوضحنا-.
كذلك: «رعيا لك» معناها: ارع يا رب فلانا. فمن فلان؟أين هو فى الكلام؟لا وجود له من حيث المعنى إلا فى الضمير المخاطب بعد اللام؛ فظاهره أنه مجرور بها، و لكنه فى حقيقته المعنوية بمنزلة المفعول به، مع أنه لا يعرب مفعولا... إذ لا بد من اعتبار الكلام جملتين عند إعرابه، كما سبق...
و فى بعض الأساليب الأخرى قد يكون ذلك الضمير المجرور بمنزلة الفاعل من جهة المعنى مع أنه لا يصح إعرابه فاعلا؛ نحو: «بؤسا لك» أيها العدو، أو: . «سحقا لك» ، أو: «بعدا لك» .
تخاطب عدوا، أو من يخون أمانته، مثلا... و تدعو عليه. و أصل الكلام: «أبؤس» ؛ فى الدعاء عليه بالبؤس؛ -و هو: المرض و الفقر-. و «اسحق» ؛ فى الدعاء عليه بالسّحق، و هو: الهلاك.
و ابعد، فى الدعاء عليه بالبعد: و هو؛ الهلاك أيضا. فكأنك تقول بؤست، و سحقت و بعدت، أى: صرت بائسا، ساحقا، باعدا؛ فالضمير المجرور بعد اللام هو الذى حل محل الفاعل فى المعنى لا فى الإعراب و صار مؤدبا معناه. غير أنه فى مثل هذه التراكيب التى يكون فيها الضمير المجرور فاعلا فى المعنى لا يكون التركيب مشتملا على خطابين لمخاطبين مختلفين، و إنما يكون مشتملا على خطابين بلفظين مختلفين،