النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٦١ - المسألة ٢٢
أما أمثلة القسم الثالث فهى لنوع آخر يختلف فى دلالته عن النوعين السابقين؛ يسمى: (علم الجنس) [١] .
و لتوضيحه نقول؛ إذا دخلت حديقة الحيوان فرأيت الأسد، و منظره الرائع المهيب، و شاهدت ما يغطى عنقه، و ينسدل على كتفيه؛ من شعر غزير، كثيف، يسمى: اللّبد، و ما ينبت فوق فمه من شعر طويل؛ كأنه الشارب؛ فسميت الأسد بعد ذلك: «صاحب اللّبد» أو «أبو الشوارب» ، فهذه التسمية تحمل الذهن عند إطلاقها و عند سماعها على تخيل صورة للأسد حتما، و على تذكر مثال له، من غير أن تكون تلك الصورة أو المثال مقصورة على الأسد الذى كان فى الحديقة؛ بل تنطبق عليه و على غيره من أمثاله. فهذا الاسم الذى وضعته للصورة هو علم يدل عليها؛ و على كل صورة مثلها من أفراد صنفها. أى: أنه شارة
ق-عالم الحس و الواقع على مئات و آلاف من ذلك الحيوان المتوحش. فإذا تخيلنا صورة ذهنية لواحد من فصيلة: الأسد-مثلا-و قد رسم العقل تلك الصورة فى دائرته، بحيث جعلها رمزا يدل على تلك الفصيلة و وضعنا للرمز علما خاصا به (أى: اسما مقصورا عليه) ليدل عليه؛ و ينطبق على كل فرد من أفراد تلك الفصيلة، فإن هذا العلم يسمى: «علم الجنس» . أى: علما يدل على ذلك الجنس، و يرشد لكل فرد من أفراده. و مما يوضح هذا المعنى و يقربه إلى الفهم (و إن كان ليس علم جنس) ما نعرفه فى عصرنا الحالى من تمثال الجندى المجهول؛ فإننا حين نسمع: «الجندى المجهول» يتجه عقلنا مباشرة إلى صورة ذلك الجندى و يستحضر الذهن تمثاله المعين الذى يرمز له، و هو تمثال واحد، و رمز مفرد. و لكنه ينطبق فى عالم الحس و الواقع على الآلاف من الجنود القتلى المجهولين. و يجب أن نتنبه إلى أن ذلك الفرد القتيل غير معين و أنه شائع بين أفراد جنسه؛ فهو فى المعنى كالنكرة. و فى هذا يقول بعض النحاة:
إن علم الشخص واقع على الأشخاص؛ كمحمد، و على، فالعلم فيه يخص شيئا بعينه، لا يشاركه فيه غيره. و علم الجنس يخص كل شخص من ذلك الجنس يقع عليه ذلك الاسم؛ نحو: أسامة، و ثعالة؛ فإن هذين الاسمين يقعان على كل ما يقال له: «أسد» و «ثعلب» . و إنما كان العلم هنا للجنس و لم يكن كالأناسى لأن لكل واحد من الأناسى حالة مع غيره؛ من بيع، و شراء، أو زراعة، أو غير ذلك؛ فاحتاج إلى اسم يخصه دون غيره، ليكون الاسم دليلا على صاحبه و مميزا له من غيره.. و أما هذه السباع التى لا تثبت و لا تستقر بين الناس-فلا تحتاج إلى أسماء، أو ألقاب لتميز أفراد الجنس الواحد بعضها من بعض. فإذا لحقها اسم، أو لقب لم يكن ذلك خاصا بفرد دون آخر، و إنما كان متجها لكل واحد من أشخاص ذلك الجنس؛ فإذا قلت: أسامة أو ثعالة... فكأنك قلت هذا الضرب، أو هذا الجنس الذى رأيته أو سمعت به من السباع... فهذه الألفاظ معارف، إلا أن تعريفها أمر لفظى.
و هى من جهة المعنى نكرات؛ لشيوعها فى كل واحد من الجنس و عدم انحصارها فى شخص بعينه دون غيره. فكأن اللفظ موضوع لكل شخص من هذا الجنس، فوضع اللفظ للفرد الشائع جملة بمنزلة العلم، بالرغم من هذا الشيوع... و مراعاة الواقع الصريح فى أن الفرد شائع غير معين جعله بمنزلة النكرة.
و من هنا كان لعلم الجنس اعتباران أحدهما لفظى يدخله فى عداد العلم (و العلم هو نوع من المعارف) و الآخر معنوى يدخله فى عداد النكرة. و لكل منهما آثاره التى ستعرفها و سيجىء إيضاح آخر عند الكلام على القسم الثالث الذى فى رأس هذه الصفحة. (راجع المفصل حـ ١ ص ٣٤ و ما بعدها) .
[١] تكلمنا عليه بإضافة، و بمعالجة آخرى فى هامش الصفحة التى قبل هذه مباشرة.