النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٩٨ - المسألة ١٨
فى الحديقة. فكل من كلمة: أنا، و التاء، و الكاف-ضمير بارز.
و المستتر [١] ، ما يكون خفيّا غير ظاهر فى النطق و الكتابة؛ مثل: ساعد غيرك يساعدك؛ فالفاعل لكل من الفعلين ضمير مستتر تقديره فى الأول:
«أنت» و فى الثانى: «هو» .
و البارز قسمان، أولهما: المتصل؛ و هو: «الذى يقع فى آخر الكلمة، و لا يمكن أن يكون فى صدرها و لا فى صدر جملتها» ؛ إذ لا يمكن النطق به وحده، بسبب أنه لا يستقل بنفسه عن عامله؛ فلا يصح أن يتقدم على ذلك العامل مع بقائه على إعرابه السابق قبل أن يتقدم، كما لا يصح أن يفصل بينهما-فى حالة الاختيار-فاصل من حرف عطف، أو أداة استثناء؛ كإلا، أو غيرهما [٢] .
و من أمثلة الضمائر المتصلة بآخر الأفعال؛ التاء المتحركة، و ألف الاثنين، و واو الجماعة، و نون النسوة، و ذلك كله فى مثل: سمعت النصح، و الرجلان سمعا، و العقلاء سمعوا، و الفاضلات سمعن. فليس واحد من هذه الضمائر بممكن أن يستقل بنفسه فيقع أول الكلمة قبل عامله، و لا يتأخر عنه مع وجود
[١] المستتر فى حكم الحاضر الملفوظ به، مع أنه غير مذكور فى اللفظ. و لا يسمى محذوفا، لأن هناك فرقا بين الضمير المستتر و الضمير المحذوف؛ فالمستتر فى حكم الحاضر المنطوق به كما قلنا، أما المحذوف فإن كان ملفوظا به ثم ترك و أهمل، فليس فى حكم الحاضر. يدلك على هذا أنهم يقولون:
لو سميت شيئا بكلمة: «ضرب» التى استتر فيها الضمير لوجب حكايتها مع الضمير المستتر كما تحكى الجمل، بغير تغيير مطلقا؛ و منها: «ضربته» أما إذا سميت بكلمة: «ضرب» المحذوف منها الضمير اختصارا-و الأصل ضربته-فإنها تعرب على حسب الجملة-كما سيجىء فى باب العلم مفصلا (ص ٢٧٣ ما بعدها، و فى هامش ص ٢٧٨) و المستتر لا يكون إلا من ضمائر الرفع، فهو فى محل رفع دائما، أما المحذوف فيكون فى محل رفع أو نصب أو جر.
و الصحيح أن المستتر نوع من الضمير المتصل الذى سيجىء تفصيله: و ليس نوعا من المنفصل، و لا نوعا مستقلا بنفسه يسمى: «واسطة» بين المتصل و المنفصل. (راجع الخضرى و هامش التصريح عند الكلام على الضمير المستتر... )
و المستتر ركن أساسى فى الجملة لا يتم معناها بغيره؛ فلا بد منه؛ لأنه «عمدة» كما يسمونه، أى:
لا يمكن الاستغناء عنه مطلقا، (إلا فى بعض حالات قليلة كالربط بين الخبر و المبتدأ) و أشباه ذلك و أما غيره فقد يستغنى منه إذا عدم من الجملة.
و بهذه المناسبة يقول النحاة: إن الضمير البارز له وجود فى اللفظ و لو بالقوة، فيشمل المحذوف فى مثل: جاء الذى أكرمت. أى: أكرمته. لإمكان النطق به، أو لأنه نطق به أولا ثم حذف. أما الذى استتر فأمره عقلى؛ إذ لا يمكن النطق به أصلا، و إنما يستعيرون له المنفصل فى مثل: قاتل فى سبيل اللّه؛ فيقولون: إن الفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت؛ و ذلك للتقريب. و بهذا يحصل الفرق بين المستتر و المحذوف. هذا إلى أن المستتر أحسن حالا من المحذوف؛ لأنه يستدل عليه من اللفظ و العقل بغير قرينة الموجود؛ و لذلك كان خاصا بالعمد. أما المحذوف فلا بد له من القرينة. و هكذا قالوا!!
[٢] انظر أول الهامش فى ص ٢٠١.