النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٠٥ - المسألة ٥٤
قحاضرتان» و هو فاسد؛ لاختلال المطابقة اللفظية، كفساده فى مثل: محمود و صالح غائبان، فلو أعربنا كلمة. «صالح» مبتدأ خبره محذوف-لكان التقدير: محمود-و صالح غائب-غائبان...
و الفساد واضح هنا كوضوحه لو أعربنا كلمة: «صالح» مبتدأ، خبره كلمة: «غائبان» و التقدير:
محمود غائب و صالح غائبان.
و الأمر بالعكس لو قلنا: إن القاهرة و دمشق حاضرة، إذ يصح أن تكون دمشق منصوبة إما: على اعتبارها اسم «إن» المحذوفة، وحدها، و كلمة: «حاضرة» المذكورة خبرها. و يكون خبر «إن» المذكورة محذوف تقديره: عاصمة. مثلا-. فالأصل: إن القاهرة عاصمة... و إن دمشق حاضرة؛ فالجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى. و العطف عطف جمل، و لا يصح أن يكون عطف مفردات؛ لما يترتب عليه من تقدير يجعل أصل الجملة: «إن القاهرة و دمشق حاضرة» فتختل المطابقة اللفظية-كما تختل فى مثل: حامد و أمين قائم-بعطف''أمين‘‘على: «حامد» -؛ فيقع المفرد خبرا عن المثنى أو ما فى حكمه؛ و هذا ممنوع.
و إما على اعتبارها اسم «إن» المحذوفة مع خبرها أيضا. و أصل الكلام: إن القاهرة حاضرة و إن دمشق «حاضرة» فتقدمت الجملة الثانية، و اعترضت بين اسم «إن» الأولى و خبرها، فهى جملة معترضة، و ليست معطوفة؛ إذ لا يصح عطف جملة على جملة إلا بعد أن تتم الجملة الأولى، و هى المعطوف عليها.
و مما سبق نعرف أن النزول على حكم المطابقة اللفظية أمر محتوم؛ فحيث تحققت و تحكمت-كالمثال الأولى-وجب اعتبار العطف عطف مفردات، و حيث اختلت-كالمثال الثانى-وجب اعتباره عطف جمل، أو اعتبار الجملة الثانية غير معطوفة، و إنما هى جملة معترضة تقدمت من تأخير ففصلت بين اسم إن و خبرها. و قد تكون مستأنفة إن اقتضى المعنى ذلك.
تعليل الرفع:
فى المثال الأول و نظائره من نحو: إن العدالة و النصفة كفيلتان بالأمن و الرخاء، يجوز رفع كلمة:
«النصفة» على أنها معطوفة على اسم «إن» باعتبار أصله مبتدأ مرفوعا قبل مجىء الناسخ، و الخبر هو كلمة «كفيلتان» ، فالعطف عطف مفردات لمطابقة الخبر لاسم «إن» مع المعطوف. و لا يصح أن يكون عطف جمل، بإعراب كلمة: «النصفة» مبتدأ خبره محذوف، لما يلزم عليه من فساد الأسلوب لفساد المطابقة؛ كما شرحنا. و لما يلزم عليه أيضا من عطف جملة على جملة أخرى لم تكمل.
فلو قلنا: إن العدالة و النصفة كفيلة بالأمن و الرخاء، لجاز الرفع على اعتبار كلمة: «النصفة» مبتدأ خبره، كلمة: «كفيلة» الموجودة، و خبر «إن» محذوف. -بعد اسمها-تقديره: كفيلة أو ضامنة... أو... ، و تقدير الكلام: إن العدالة كفيلة بالأمن، و النصفة كفيلة بالأمن. فيكون الكلام عطف جملة اسمية لاحقة على نظيرتها السابقة، كما يجوز إعراب كلمة: «كفيلة» الموجودة خبر «إن» . أما خبر المبتدأ فمحذوف تقديره: كفيلة-مثلا-فتكون الجملة المكونة من المبتدأ و الخبر جملة اعتراضية بين اسم «إن» و خبرها، و لا يجوز أن تكون معطوفة؛ لما سبق من أنه لا يجوز عطف جملة على جملة إلا بعد أن تتم الأولى و هى التى عطف عليها.
هذا و لا اعتداد برأى من يرفض الرفع فى الصور التى لا مطابقة فيها-و غيرها-فيمنع أن يقال: إن العدالة و النصفة كفيلة... كما يمنع أن يقال: إن محمدا و على قائم. فلو أخذنا برأيه لاعترضتنا أمثلة ناصعة الفصاحة من القرآن الكريم. و الكلام العربى الصحيح، و لم نجد بدا من التمحل المعيب، و التأويل البغيض. و كيف يوجب كثير من النحاة النصب. وحده-عند العطف بعد الاسم و قبل مجىء