النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٠١ - زيادة و تفصيل
(ب) من الأساليب الأدبية الشائعة: «كائنا ما كان» ، و «كائنا من كان» ؛ فى مثل: سأفعل ما يقضى به الواجب؛ كائنا ما كان. و سأحقق الغرض الكريم كائنا ما كان... أى: سأفعل ذلك مهما جدّ و كان ذلك الواجب؛ و ذلك الغرض. و مثل: سأرد الظالم: «كائنا من كان» -سأكرم النابغ «كائنا من كان» ... أى: سأفعل ذلك مهما كان الإنسان الظالم، أو النابغ.
أما إعرابه فمتعدد الأوجه: و أيسر ما يقال و أنسبه هو: «كائنا» حال منصوب، و اسمه [١] ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود على الشىء السابق، و «ما» أو «من» نكرة موصوفة مبنية على السكون فى محل نصب خبر «كائن» .
و «كان» فعل ماض تام، و فاعله ضمير مستتر يعود على «ما» أو «من» و الجملة من الفعل و الفاعل فى محل نصب صفة «ما» أو «من» . و التقدير النحوىّ:
سأفعل ذلك كائنا شيئا كان. أو: كائنا إنسانا كان. أى: سأفعل ذلك كائنا أىّ شىء وجد أو أىّ إنسان وجد.
و من الأساليب المرددة فى كلام القدامى الفصحاء-برغم غرابتها اليوم- قولهم: «ربما اشتدت وقدة الشمس على المسافر فى الفلاة؛ فكان مما يغطىّ رأسه و ذراعيه، و ربما ثارت الرمال؛ فكان مما يحجب عينيه و منخرية... » يريدون: فكان ربما يغطى رأسه-و كان ربما يحجب عينيه و منخريه، أى:
يغطيهما [٢] ...
[١] لأنه اسم فاعل من «كان» الناقصة فيعمل عملها.
[٢] تصدى لهذا الأسلوب عالم جليل معاصر من تونس-هو: الأستاذ محمد الطاهر عاشور العضو المراسل بالمجمع اللغوى القاهرى-و خصه ببحث فى الجزء التاسع من مجلة المجمع (ص ١١٦) عرض فى الجلسة الحادية عشرة من الدورة الثامنة عشرة و وافق عليه المجمع و قرر أن ذلك أسلوب لغوى يراد منه الكثرة، و قد يدل على القلة أحيانا. و البحث نفيس هام و ملخصه مع الإيجاز هو: أن بعض المركبات استعملت استعمال كلمة مفردة؛ كالذى ورد فى صحيح البخارى عن ابن عباس و نصه: «كان رسول اللّه يعالج من التنزيل شدة إذا نزل عليه الوحى، و كان مما يحرّك لسانه و شفتيه... ) و قد أهمل ابن الأثير فى كتابه: «النهاية» ، معنى قوله: «مما يحرك لسانه و شفتيه» و فسره عياض فى كتابه: «المشارق» بأن معناه: «كثيرا ما يحرك به لسانه و شفتيه» و بعد أن فسره روى عن أحد الأئمة من شراح الحديث ما يأتى: «فى مثل هذا كأنه يقول: هذا من شأنه و دأبه؛ فجعل «ما» كناية عن ذلك، ثم أدغم «النون» ، و روى عن آخر أن (معنى: «مما» هنا هو: «ربما» و هذا من معنى ما تقدم؛ لأن «ربما» تأتى للتكثير أيضا. و فى مسلم، فى حديث: النجوم أمنة السماء: «و كان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء» ... تكون «مما» هنا بمعنى:
«ربما» التى للتكثير، و قد تكون فيها زائدة) اهـ.
غ