النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٥٨ - المسألة ٥٠
«أوشك» و غير مسبوق بها مع الفعل: «كاد» أو: «كرب» ، نحو: أوشك المطر أن ينقطع، و كاد الجو يعتدل، و كرب الهواء يطيب. و يجوز-قليلا- العكس، فيتجرد خبر: «أوشك» ، من «أن» و يقترن بها خبر «كاد» و «كرب» ، و لكن الأول هو الشائع فى الأساليب العالية التى يحسن الاقتصار على محاكاتها. و من النادر أن يكون الخبر غير جملة مضارعية. و لا يصح محاكاة هذا النادر، بل يجب الوقوف فيه عند المسموع [١] .
و عمل أفعال المقاربة ليس مقصورا على الماضى منها: بل ينطبق عليه و على المشتقات الأخرى، و هى محدودة؛ أشهرها ثلاثة؛ مضارع للفعل: «كاد» ، و مضارع للفعل: «أوشك» ، و اسم فاعل له، نحو: يكاد العلم يكشف أسرار الكواكب-يوشك القمر أن يتكشف للعلماء-أنت موشك أن تنته إلى خير.
و الأكثر أن تستعمل «كاد» و «كرب» ناسختين [٢] . أما «أوشك» فيجوز
قمصدرية لوجب أن تسبك مع الجملة المضارعية بعدها بمصدر مؤول يكون خبرا للناسخ، فيترتب على ذلك الإخبار بالمعنى عن الجثة، و هو ممنوع. ففى مثل: عسى محمود أن يجود، يقع المصدر المؤول من أن و المضارع و فاعله خبر «عسى» فى محل نصب؛ فيكون التقدير: عسى محمود جوده. فيقع «جود» -و هو أمر معنوى-خبرا عن «عسى» ، و هو فى الحق خبر عن محمود؛ لأن اسم عسى و خبرها أصلهما المبتدأ و الخبر، و لا يجوز أن يكون المبتدأ جثة و خبره امرا معنويا، و لا يبيح ذلك ناسخ قبلهما.
و قال فريق آخر: لا مانع من اعتبار «أن» الداخلة فى أخبار هذا الباب هى الناصبة المصدرية، و المصدر المنسبك منها و من المضارع مع فاعله-هو خبر الناسخ؛ إما على سبيل المبالغة، و إما على تقدير مضاف قبله، أو قبل اسم الناسخ، فيكون التقدير فى المثال السابق: عسى محمود صاحب جوده، أو عسى حال محمود جوده...
هذا كلام السابقين. و خير منه أن تكون «أن» مصدرية ناصبة و يغتفر فى هذا الباب كله الإخبار بالمعنى عن الجثة فنستريح من تكلف التأويلات البصرية السالفة، كما نستريح من تكلف التأويلات الكوفية التى تجعل المصدر المؤول بدل اشتمال من الاسم المرفوع السابق، و يجعلون: «عسى» فعلا تاما معناه: «التوقّع» . ففى مثل: عسى على أن يحضر... يكون التقدير: عسى على حضوره، أى: يتوقع على حضوره و يكون الغرض من «البدل» هو التفصيل بعد الإبهام الداعى للتشويق.
[١] و منه قول الشاعر:
فأبت إلى فهم و ما كدت آيبا # و كم مثلها فارقتها و هى تصفر
(أبت) رجعت (فهم) : اسم قبيلة. (تصفر) ، أى: تخلو من كل شىء فيها...
و النادر المسموع هو مجيئه مفردا. أما الجملة الماضوية، أو الاسمية، أو شبه الجملة-فلم يسمع عن العرب.
[٢] عند وقوعهما تامتين لا يصح إسنادهما إلى «أن» و المضارع؛ أى لا يكون فاعلهما أو مرفوعهما مصدرا مؤولا فى الفصيح.
غ