النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٨ - النوع الثالث تنوين التعويض ، أو العوض
فوق الياء المحذوفة. و التنوين الظاهر فى الحالتين عوض عن الياء المحذوفة [١] .
أما حذف كلمة و مجىء التنوين عوضا عنها فيكثر بحذف المضاف إليه بعد لفظة: «كل» ، أو «بعض [٢] » -و ما فى حكمهما-و من أمثلته:
[١] هذا خير ما يقال اليوم، و أوضحه و أيسره. أما ما يقوله النحاة فمردود عقلا، و فيه التواء و صعوبة؛ فهم يقولون: إن كلمة: باقية؛ أو: نامية، أو: ماضية، أو: ما يشبهها «من كل كلمة مؤنثة على وزن فاعلة» يجوز جمعها جمع تكسير على وزن: «فواعل» ؛ فتصير الكلمة بعد تكسيرها «بواقى» «نوامى» «مواضى» -بالضم بغير تنوين-؛ لأنها ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع (و هى كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان؛ مثل: معابد-طوائف-جواهر-مدارس، أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن، مثل: مفاتيح-قناديل-أزاهير؛ جمع أزهار. و تفصيل الكلام عليها فى الباب الخاص بما لا ينصرف جـ ٤ م ١٤٥ و م ١٧٣) . ثم تحذف الضمة، لأنها ثقيلة على الياء، فتصير الكلمة: «بواقى» ، «جوارى» ، «مواضى» ، ثم تحذف الياء للتخفيف أيضا.
و يجىء التنوين عوضا عنها؛ لأنها حرف أصلى، لا يحذف من غير تعويض؛ و إلا كان الحذف جورا على الكلمة، كما يقولون!!.
هذا على اعتبار أن الكلمة كانت ممنوعة من الصرف أول الأمر، ثم وقع الحذف و التعويض بعد ذلك. أما على اعتبار أنها لم تكن ممنوعة من الصرف أول الأمر و إنما وقع الحذف و التعويض قبيل منعها من الصرف فيقال فيها: «بواقى» ، «جوارى» ، «مواضى» . بالتنوين فى كل هذا، ثم حذفت الضمة وحدها، لأنها ثقيلة على الياء (و بقى التنوين الذى تدل الضمة الثانية عليه) . فالتقى ساكنان لا يجوز اجتماعهما هما: الياء و التنوين؛ فحذفت الياء أولا، ثم حذف التنوين بعدها؛ (بسبب أن الكلمة ممنوعة من الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع. ) فصارت «بواق» ، «جوار» ، «مواض» بكسرة واحدة، أى (بغير تنوين) ثم جاء تنوين آخر غير المجذوف؛ ليكون عوضا عن الياء، و ليمنع رجوعها عند النطق. فمنع الصرف فى الحالة الأولى سابق فى وجوده على الحذف، و مقدم عليه، أما فى الحالة الثانية فكان الحذف هو السابق و المقدم على منع الصرف فى رأيهم.
و كلتا الحالتين تجرى على الجموع السابقة و أشباهها فى حالة الجر أيضا؛ فبدلا من أن يقال:
حذفت الضمة؛ لثقلها.. يقال: حذفت الكسرة، لثقلها... أو حذفت الفتحة التى هى نائبة عن الكسرة؛ بسبب منع الصرف، ثم حذفت الياء...
و لا يخفى ما فى هذا من تكلف بغير داع، و لف، و تعقيد. و الواجب أن نقول فى سبب الحذف فى «فواعل» و أشباهها؛ (من كل صيغة لمنتهى الجموع، آخرها ياء لازمة، مكسور ما قبلها، و لكنها تحذف كحذفها فى الجموع السابقة) ، «إنه استعمال العرب ليس غير» . فهم يحذفون تلك الياء؛ رفعا، و جرا، إذا وقعت آخر صيغة منتهى الجموع، و ما أشبهها-من غير أن يفكروا فى قليل أو كثير مما نقلناه عن النحاة، بل من غير أن يعرفوا عنه شيئا. فلا علينا إن تركنا ذلك المنقول، و اكتفينا بما ذكرناه؛ مسايرة للعقل، و تجنبا للوعر الذى لا خير فيه.
و مما يؤيد رأينا-إن كان فى حاجة إلى تأييد-أن العرب يقولون أكرمت جوارى... و رأيت سواقى؛ بظهور الفتحة على الياء. فلم توصف الفتحة فى مثل هذه الحالة بالخفة و تفوز بالبقاء؟و لم توصف فى حالة الجرحين تكون نائبة عن الكسرة بالثقل و تحذف-فى الرأى المشهور-ثم تحذف الياء؟..
فكيف يقع هذا مع أن الحرف فى الحالتين واحد، و كذلك حركته و هى الفتحة، و كذلك الحنجرة، و اللسان و الفم، و جهاز النطق و الكلام؟ثم انظر رقم ١ من هامش ص ١٧٣.
[٢] و التنوين فيهما تنوين «عوض» و «أمكنية» معا؛ لأنه عوض عن المحذوف، و لأنهما معربان منصرفان-راجع حاشية الخضرى، أول باب الممنوع من الصرف-و سيجىء فى الجزء الثالث (باب الإضافة م ٩٤ ص ٦٢) أن هذا الرأى أوضح و أدق من الرأى الآخر القائل: إنه للأمكنية فقط؛ بحجة