النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٨٧ - المسألة ١٧
و يستحيل فى عالم الحس تعيين أحدها، و تخصيصه وحده بهذا الاسم.
لكن إذا قلت: «أنا فى الحديقة» ، فإن الشيوع يزول؛ و الإبهام يختفى؛ بسبب تحديد المدلول، و حصره فى واحد معين؛ هو: المتكلم؛ فلا ينصرف الذهن إلى غيره، و لا يمكن أن ينسب الوجود فى الحديقة لسواه.
و إذا قلنا: تكلّم طالب؛ فإن كلمة: «طالب» اسم، له معنى عقلى، و مدلول ذهنى. و لكن مدلوله الخارجى «أى: الذى فى عالم الحس و الواقع؛ خارجا عن العقل و الذهن و بعيدا منهما» ، غير محصور فى فرد خاص يمكن تعيينه و تمييزه من أشباهه؛ و إنما ينطبق على: حامد، و حليم، و سعد، و سعيد... و آلاف غيرهم ممن يصدق على كل واحد منهم أنه: «طالب» : و يشترك مع غيره فى هذا الاسم فهو اسم يدل على فرد، و لكنه فرد شائع بين أشباه كثيرة، متماثلة فى تلك الحقيقة
قو يسأل عنها غيره؛ حتى يعرف أنها شجرة، و أنها تسمى: النخلة، و يراها مرات بعد ذلك فيقوى إدراكه لها. ثم يرى شجرة «برتقال» على النحو السالف، و شجرة «ليمون» ، و شجرة «يوسفى» و شجرات أخرى كثيرة؛ فينته عقله إلى معرفة صفات ذاتية مشتركة بين تلك الأشجار المختلفة النوع، و يرسم العقل من مجموع تلك الصفات صورة خيالية للشجرة-أىّ شجرة كانت-بحيث تنطبق تلك الصورة الخيالية على كل شجرة مهما كان نوعها. فهو قد اهتدى أولا إلى أن الصفات الذاتية المشتركة بين الشجرات الكثيرة هى: الجذور، و الجذوع، و الفروع، و الثمر... ثم أنشأ من مجموعها صورة خاصة لما يسمى: «شجرة» . فحين يسمع المرء كلمة «شجرة» يسرع عقله فيدرك المراد منها، و هو تلك الصورة التى سبق له أن رسمها من مجموع الصفات الذاتية المشتركة، و لا يدرك سواها، و لا يخصص شجرة معينة، كشجرة نخيل، أو برتقال، أو ليمون، أو غيرها، و لا يستحضر فى داخله-غالبا- غير تلك الصورة الخيالية التى ابتكرها، و كوّنها من قبل، و التى يسميها العلماء حينا: «الصورة العقلية المجردة» و حينا: «الصورة الذهنية المجردة» أو: «الحقيقة الذهنية المحضة» أى: التى لا يحتاج العقل فى إدراكها إلى استحضار صورة شجرة معينة، أو استرجاع نموذج من الشجرات الأولى التى كانت أوصافها الذاتية المشتركة سببا فى تكوين الصورة الذهنية لما يسمى: «شجرة» .
فالصورة التى رسمها العقل هى صورة خيالية محضة، لا وجود لها فى عالم الحس و الواقع على الرغم من أنه انتزع عناصر تكوينها من نماذج و أشياء محسوسة مشاهدة، يستقل كل منها بنفسه، و ينفرد عن غيره، لكنها تتشابه فى صفات ذاتية مشتركة بين الجميع-كما سبق. و كل واحد من تلك النماذج و الأشياء المتشابهة يسمى: ''حقيقة خارجية‘‘: لأنه المدلول الحسى، و المضمون الواقعى للحقيقة الذهنية، مع خروجه عن دائرة الذهن المجردة: بسبب وجوده فعلا فى دائرة الحس و المشاهدة، فكل واحدة من شجر النخيل، أو البرتقال، أو الليمون، أو... تصلح أن تكون المدلول الحسى المقصود من كلمة:
«شجرة» التى هى حقيقة ذهنية. و إن شئت فقل: إن كل واحد من تلك الأشياء يصلح أن يكون الحقيقة الخارجية التى هى مضمون الحقيقة الذهنية، و مدلولها المقصود، و أن الحقيقة الذهنية تنطبق فى خارج الذهن على كل واحد من تلك الأشياء، و تصدق عليه.
و مما سبق نعلم أن مجموع الصفات الذاتية المشتركة بين أفراد الحقيقة الخارجية هو الذى يكوّن الحقيقة الذهنية المحضة، و أن مدلول الحقيقة الذهنية المحضة ينطبق على كل فرد من أفراد الحقيقة الخارجية، و يصدق عليه، دون تخصيص فرد أو تعيينه؛ كما سيجىء فى هذا الباب عند الكلام على اسم الجنس و علم الجنس ص ٢٥٩.