النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٥٥ - زيادة و تفصيل
١٧-و يجب تأخير الخبر، إذا كان جملة فعلية ماضوية و المبتدأ «ما» التعجبية؛ نحو: ما أقدر اللّه أن يدنى المتباعدين [١] .
(ب) أثار النحاة و البلاغيون جدلا مرهقا حول بعض الحالات التى يكون فيها المبتدأ و الخبر متساويين فى التعريف و التنكير، أو متقاربين فيهما؛ من غير لبس فى المعنى. و يدور الجدل حول معرفة الأحق منهما بأن يكون المبتدا. و إذا ظهر الأحق فهل يجوز الإغضاء عن أحقيته بجعله خبرا و جعل الخبر مبتدأ؟و قد سبق [٢] بيان المراد من التساوى و التقارب فى التعريف و التنكير.
بالرغم من جدلهم المرهق [٣] ؛ فإن الجواب السديد يتلخص فى أن المعوّل عليه فى جواز تقديم المبتدأ على الخبر ليس التساوى أو التقارب فى درجة التعريف و التنكير؛ و إنما المعول عليه وحده هو وجود قرينة تدل على أن هذا هو المحكوم عليه، (أى: أنه المبتدأ) ، و ذلك هو المحكوم به، أى: الخبر، على حسب المعنى؛ بحيث يتميز كل من الآخر، دون خلط أو اشتباه. فمتى وجدت القرينة التى تمنع الخلط و اللبس جاز تقديم أحدهما و تأخير الآخر على حسب الدواعى [٤] . و إن لم توجد القرينة وجب تأخير الخبر حتما من غير أن يكون للتساوى أو التقارب دخل فى الحالتين. فلا بد من مراعاة حال السامعين من ناحية قدرتهم على إدراك أن هذا محكوم عليه فيكون مبتدأ، و أن ذاك محكوم به فيكون خبرا. فإذا وقع فى وهم المتكلم أن التمييز غير ممكن، و أن اللبس محتمل-وجب إزالته؛ إما بالقرينة التى تبعده و تبدده، و إما بالتزام الترتيب؛ فيتقدم المبتدأ و يتأخر الخبر؛ ليكون هذا التقدم دليلا على أنه المبتدأ، و وسيلة إلى تعينه؛ لموافقته للأصل الغالب فى المبتدأ.
[١] سبقت الإشارة لهذا فى ص ٤٥٢
[٢] فى هامش ص ٤٤٨.
[٣] و قد عرض لبعضه صاحب المفصل، و كذا الصبان بإيجاز فى الجزء الأول باب المبتدأ و الخبر عند الكلام على مواضع تأخير الخبر وجوبا. و كذلك التصريح و هامشه فى الموضع السابق أيضا: و كذلك المغنى أول الباب الرابع.
[٤] إلا فى الحالة التى أشرنا إليها فى رقم ٨ من ص ٤٥٣ و هى حالة اسم الإشارة المقرون بكلمة «ها» التنبيه، مع معرفة أخرى إذ يتعين أن يكون اسم الإشارة هو المبتدأ؛ لأن حرف التنبيه لا بد أن يتصدر-عند فريق من النحاة دون فريق، طبقا للبيان المفصل الذى فى رقم ٦ من هامش ص ٢٩٥- إلا إن كانت المعرفة الأخرى ضميرا؛ ففى هذه الحالة يحسن أن يكون هو المبتدأ الذى تسبقه (ها) التنبيه، و اسم الإشارة يجىء بعده خبرا نحو: «هأنذا» . و قد يجوز مراعاة القاعدة العامة بتقديم الإشارة أيضا فى هذه الصورة مع تأخير الضمير؛ نحو: هذا أنا، و لكن الأول أكثر فى الأساليب الأدبية المعروفة. (انظر ص ٣٠٤) .