النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣ - بيان هامّ
اللغة الأجانب على الاعتراف بفضلهم، و الإشادة ببراعتهم [١] ...
هذه كلمة حق يقتضينا الإنصاف أن نسجلها؛ لننسب الفضل لروّاده، و إلا كنّا من عصبة الجاحدين، الجاهلين، أو المغرورين.
٢
و ليس من شك أن التراث النحوى الذى تركه أسلافنا نفيس غاية النفاسة، و أن الجهد الناجح الذى بذلوه فيه خلال الأزمان المتعاقبة جهد لم يهيأ للكثير من العلوم المختلفة فى عصورها القديمة و الحديثة، و لا يقدر على احتمال بعضه حشود من الثرثارين العاجزين، الذين يوارون عجزهم و قصورهم-علم اللّه-بغمز النحو بغير حق، و طعن أئمته الأفذاذ.
بيد أن النحو-كسائر العلوم-تنشأ ضعيفة. ثم تأخذ طريقها إلى النمو، و القوة و الاستكمال بخطا وئيدة أو سريعة؛ على حسب ما يحيط بها من صروف و شئون. ثم يتناولها الزمان بأحداثه؛ فيدفعها إلى التقدم، و النمو، و التشكل بما يلائم البيئة، فتظل الحاجة إليها شديدة، و الرغبة فيها قوية. و قد يعوّقها و يحول بينها و بين التطور، فيضعف الميل إليها، و تفتر الرغبة فيها. و قد يشتط فى مقاومتها؛ فيرمى بها إلى الوراء، فتصبح فى عداد المهملات، أو تكاد.
و قد خضع النحو العربى لهذا الناموس الطبيعى [٢] ؛ فولد فى القرن الأول الهجرى ضعيفا، و حسبا وئيدا أول القرن الثانى، و شب-بالرغم من شوائب خالطته- و بلغ الفتاء آخر ذلك القرن، و سنوات من الثالث، فلمع من أئمته نجوم زاهرة؛ كعبد اللّه بن أبى إسحاق، و الخليل، و أبى زيد، و سيبويه، و الكسائى، و الفراء، و نظرائهم من الأعلام، ثم توالت أخلافهم، على تفاوت فى المنهج، و تخالف فى المادة، إلى عصر النهضة الحديثة التى يجرى اسمها على الألسنة اليوم، و يتخذون
[١] من ذلك ما قالة العلامة الكبير: «دى بور» فى كتابه: تاريخ الفلسفة فى الإسلام، و نصه-كما جاء فى ترجمة الدكتور محمد أبو ريدة ص ٤-:
«علم النحو أثر رائع من آثار العقل العربى. بما له من دقة فى الملاحظة، و من نشاط فى جمع ما تفرق. و هو أثر عظيم يرغم الناظر فيه على تقديره، و يحق للعرب أن يفخروا به. »
[٢] هذا النسب صحيح.