النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢ - بيان هامّ
إنه النحو؛ وسيلة المستعرب، و سلاح اللغوى، و عماد البلاغىّ، و أداة المشرّع و المجتهد، و المدخل إلى العلوم العربية و الإسلامية جميعا.
فليس عجيبا أن يصفه الأعلام السابقون بأنه: ''ميزان العربية، و القانون الذى تحكم به فى كل صورة من صورها [١] ‘‘و أن يفرغ له العباقرة من أسلافنا؛ يجمعون أصوله، و يثبتون قواعده، و يرفعون بنيانه شامخا، ركينا، فى إخلاص نادر، و صبر لا ينفد. و لقد كان الزمان يجرى عليهم بما يجرى على غيرهم؛ من مرض، و ضعف، و فقر؛ فلا يقدر على انتزاعهم مما هم فيه، كما كان يقدر على سواهم، و لا ينجح فى إغرائهم بمباهج الحياة كما كان ينجح فى إغراء ضعاف العزائم، و مرضى النفوس، من طلاب المغانم، و رواد المطامع. و لقد يترقبهم أولياؤهم و أهلوهم الساعات الطوال، بل قد يترصدهم الموت؛ فلا يقع عليهم إلا فى حلقة درس، أو قاعة بحث، أو جلسة تأليف، أو ميدان مناظرة، أو رحلة مخطرة فى طلب النحو. و هو حين يظفر بهم لا ينتزع علمهم معهم؛ و لا يذهب بآثارهم بذهاب أرواحهم؛ إذ كانوا يعدون لهذا اليوم عدته من قبل؛ فيدونون بحوثهم، و يسجلون قواعدهم، و يختارون خلفاء من تلاميذهم؛ يهيئونهم لهذا الأمر العظيم. و يشرفون على تنشئتهم، و تعهد مواهبهم؛ إشراف الأستاذ البارع القدير على التلميذ الوفىّ الأمين. حتى إذا جاء أجلهم ودّعوا الدنيا بنفس مطمئنة، واثقة أن ميدان الإنشاء و التعمير النحوى لم يخل من فرسانه، و أنهم خلّفوا وراءهم خلفا صالحا يسير على الدرب، و يحتذى المثال. و ربما كان أسعد حظّا و أوفر نجحا من سابقيه، و أسرع إدراكا لما لم يدركه الأوائل.
على هذا النهج الرفيع تعاقبت طوائف النحاة، و توالت زمرهم فى ميدانه، و تلقى الراية نابغ عن نابغ، و ألمعىّ فى إثر ألمعىّ، و تسابقوا مخلصين دائبين. فرادى و زرافات، فى إقامة صرحه، و تشييد أركانه، فأقاموه سامق البناء، وطيد الدعامة، مكين الأساس. حتى وصل إلى أهل العصور الحديثة التى يسمونها: عصور النهضة، راسخا، قويّا؛ من فرط ما اعتنى به الأسلاف، و وجهوا إليه من بالغ الرعاية؛ فاستحقوا منا عظيم التقدير، و خالد الثناء. و حملوا كثيرا من علماء
[١] صبح الأعشى.