النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٦٠ - المسألة ٢٢
قجنس (أى: صنف) له أفراده المتعددة البعيدة عن داخل العقل، و عن منطقة الذهن التى لا تحتوى فى داخلها شيئا حسيا و صار العقل بعد ذلك لا يحتاج-غالبا-فى إدراك المراد منه إلى استرجاع صورة لفرد من أفراده؟فما اسم المعنى الذى انتزعه العقل؛ ليمثل هذا الجنس، و يدل عليه، و يميزه من الأجناس الأخرى؟اسمه: «إنسان» .
كذلك أدرك العقل مجموع الصفات المشتركة بين على، و أسد، و عصفور، و حصان... و كون منها معنى ذهنيا واحدا و لكنه عام يمثل جنسا (أى: صنفا) له فى خارج العقل أفراد حقيقية كثيرة، و هذا المعنى العقلى العام يسمى: «حيوانا» .
و كذلك أدرك العقل من مجموع الصفات المشتركة بين حديد و ذهب و فضة... معنى ذهنيا عاما لجنس اسمه: «معدن» . و من... و... و هكذا.
فالمعانى الذهنية العامة كثيرة، و هى معان مجردة؛ إذ لا يكون معها فى داخل الذهن مدلولاتها الحسية الحقيقية التى فى خارجه. فإذا كان الذهن يدرك معنى «رجل» و «إنسان» و «معدن» فهل يضم فى داخله نماذج حقيقية لكل واحد من هذه؟لا.
و لما كانت المعانى الذهنية التى تمثل الأجناس متراكمة، متزاحمة فى داخله-وجب أن يكون لكل جنس اسم خاص به، يميزه من غيره؛ فلهذا اسم: «شجرة» ، و لذاك اسم: «إنسان» ، و لثالث اسم:
«حيوان» ، و لرابع اسم: «معدن» و لخامس اسم: «جماد» .. و هكذا.. فكلمة «شجرة» اسم لجنس معين، أى: لمعنى ذهنى متميز، و كذا البواقى. فاسم الجنس اسم موضوع ليدل على معنى ذهنى واحد، و لكنه معنى عام، مجرد، له أفراد حقيقية، كثيرة فى خارج الذهن. و هذا معنى تعريفهم:
«أنه يدل على الماهية بغير نظر إلى أفرادها-غالبا-» . يريدون بالماهية: الحقيقة الذهنية المجردة، أو: المعنى العقلى الخالص. و بذلك الاسم تتميز المعانى الذهنية بعضها من بعض؛ أى: يتميز جنس من باقى الأجناس الأخرى.
من كل ما تقدم نعلم أن اسم الجنس عندهم هو اسم للمعنى الذهنى المجرد، و أن النكرة هى مدلوله الخارجى الذى ينطبق عليه ذلك المعنى فعلا؛ أى: هى نفس الفرد الشائع... إلخ. هذا هو الفرق بينهما عند من يراه. و هو فرق فلسفى متعب فى تصوره، ليس وراءه فائدة عملية.
و اسم الجنس ثلاثة أقسام سبق الكلام عليها فى الباب الأول (ص ٢٢ و ما بعدها) .
و يسوقنا الكلام عن النكرة و عن اسم الجنس إلى شىء ثالث لا مناص من إيضاحه هنا؛ و هو:
«علم الجنس» . فما المراد منه؟و ما مدلوله؟و ما أحكامه؟
أطلنا الكلام فى اسم الجنس، و كررنا له الأمثلة، و انتهينا من كل ذلك إلى أنه الاسم الموضوع للمعنى العقلى العام المجرد، أى: للحقيقة الذهنية المحضة... و أننا حين نسمع، أو نقرأ-كلمة «شجرة» ، أو: إنسان، أو: معدن... نفهم المراد منها سريعا من غير أن يستحضر العقل -فى الغالب-صورة معينة للشجرة؛ كالنخلة، أو صورة معينة للإنسان؛ كحسين، أو: صورة معينة للمعدن؛ كذهب، فقد استغنى العقل عن تلك الصورة بعد مشاهداته الأولى الكثيرة، و صار يدرك المراد حين يسمع اسم الجنس إدراكا مجردا، أى: خاليا من استحضار صورة فرد من أفراد ذلك الجنس و من غير حاجة-فى الغالب-إلى استرجاع شكله و هيئته كما شرحنا.
لكن هناك بعض الصور العقلية (أى: الصور الذهنية) لأجناس لا يمكن-بحال-أن يدركها العقل وحدها من غير أن يتخيل صورة فرد أى فرد-من ذلك الجنس-، و لا يمكن-مطلقا-أن يفهم المراد منها من غير أن يستحضر صورة لواحد-أىّ واحد-تنطبق عليه: مثال ذلك كلمة: أسامة؛ فإن معناها «أسد» لكن لا يدرك العقل معناها إلا مصحوبة بصورة «أسد» ؛ فالحقيقة الذهنية هنا ليست مجردة من صورة فرد؛ و إنما يلازمها حتما صورة تنطبق عليه. و كذلك كلمة: «ثعالة» فإن معناها: «ثعلب» و لكن العقل لا يفهم هذا المعنى منعزلا و لا منفصلا عن مصاحبة صورة «لثعلب» . و ذلك على خلاف كلمة «أسد» و ثعلب و أشباههما... و بعبارة أخرى؛ كلمة: «أسد» و «ثعلب» و أشباهها تدل فى-