النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥١٩ - المسألة ٤٣
البيت ما دام المطر منهمرا» لا يصح أن يقال: (سأبقى فى البيت منهمرا ما دام المطر) ؛ لأن «ما» المصدرية الظرفية لا يصح أن يتقدم عليها شىء من الجملة التى بعدها (و هى الجملة التى تقع صلة لها) لكن يجوز أن يتقدم الخبر على «دام» وحدها فيتوسط بينها و بين «ما» المذكورة [١] ؛ ففى المثال السابق يصح أن نقول:
سأبقى فى البيت ما منهمرا دام المطر. و فى مثل؛ اقرأ فى الكتاب ما دامت النفس راغبة؛ لا يصح أن نقول: اقرأ فى الكتاب راغبة ما دامت النفس، و يصح أن نقول، اقرأ فى الكتاب ما راغبة دامت النفس... و هكذا [٢] .
و أما «ليس» فتنطبق عليها جميع الأحوال و الأحكام السابقة أيضا [٣] إلا حالة واحدة وقع فيها الخلاف بين النحاة و هى الحالة التى يتقدم فيها الخبر عليها؛ ففريق منع، و فريق أجاز [٤] و الاقتصار على المنع أولى.
[١] فى ص ٣٧٠ و فى رقم ١ من هامش ص ٥١٥ و... أنه لا يجوز الفصل بالخبر-أو بغيره -بين أن المصدرية و الفعل الذى تنصبه؛ فى حين يجوز الفصل به بين «ما المصدرية الظرفية» و الفعل الذى دخلت عليه؛ (طبقا لما سلف فى ٣٤١) مع أن كل واحد منهما حرف مصدرى لا يجوز أن يسبقه شىء من الجملة التى يدخل عليها-و هى الجملة التى يسبك معها بمصدر.
هذا و بينهما فرق من جهة أخرى: فأن المصدرية تنصب المضارع؛ فلا يجوز الفصل بينهما بالخبر أو بغيره، محاكاة للوارد الفصيح من كلام العرب و ما المصدرية لا تنصبه إن دخلت عليه؛ فيجوز الفصل بينهما بالخبر.
[٢] إلى بعض ما سبق يشير ابن مالك بقوله:
و فى جميعها توسّط الخبر # أجز، و كلّ سبقه دام حظر
كذاك سبق خبر: «ما» النّافيه # فجئ بها متلوّة لا تاليه
يريد: أن جميع النواسخ السابقة يجوز فيها توسط الخبر بين الناسخ و اسمه. و لم يذكر شروط ذلك، و لا تفصيله. ثم قال: إن كل النحاة حظر (أى: منع) سبق خبر «دام» عليها، و لم يبين أهذا المنع خاص بتقديمه عليها وحدها دون «ما» المصدرية الظرفية التى تسبقها، أم بتقديمه عليهما معا؟ و قد أسلفنا أن الممنوع هو تقديمه عليهما معا. أما توسطه بينهما فليس بممنوع. ثم قال: كذلك منع كل النحاة سبق الخبر و تقدمه على «ما» النافية؛ لأن لها الصدارة فى جملتها؛ فلا يسبقها شىء منها.
و يجب أن تكون متلوة؛ أى: سابقة، يتلوها غيرها، و يجىء بعدها. و لا يصح أن تكون تالية غيرها، و لا أن تجىء بعده.
[٣] بشرط ألا تكون للاستثناء؛ فإن كانت للاستثناء لم يجز تقديم خبرها عليها اتفاقا. و مثلها:
«لا يكون» الناسخة الاستثنائية. -كما سبق فى رقم ٤ من هامش ص ٥١٦.
[٤] حجة الفريق الأولى أنه لم يرد على ألسنة العرب التقديم؛ فلا يسوغ لنا مخالفتهم. و حجة الفريق الثانى أنه ورد تقديم معمول الخبر عليها فى الكلام الفصيح، و منه قوله تعالى عن عذاب الكفار:
أَلاََ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) . فكلمة «يوم» ظرف للخبر: «مصروفا» فهذا الظرف المعمول للخبر قد تقدم على «ليس» ؛ فتقدمه يشعر بجواز تقدم الخبر!!
و هذا كلام غير مقبول بعد الاعتراف بأن الكلام العربى لم يرد به تقديم.