النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٨٣ - زيادة و تفصيل
مستقل، و كان التعبير عنه مقصورا على الحرف [١] ...
فهل نقبل هذه العلل المصنوعة الغامضة؟و هل عرف العرب الأوائل الفصحاء قليلا أو كثيرا منها؟و هل وازنوا و استخدموا القياس و المنطق و عرفوهما فى جاهليتهم؟
ثم يعود النحاة فيقولون: إن بعض الأسماء قد يبنى لمشابهته الحرف، مثل:
«من» و «أين» و «كيف» و غيرها من أسماء الاستفهام... و مثل «من» ، و «ما» و غيرهما من أدوات الشرط و التعليق... فأسماء الاستفهام إن دلت على معنى فى نفسها فإنها تدل فى الوقت ذاته على معنى ثان فيما بعدها؛ فكلمة: «من» الاستفهامية، اسم؛ فهى تدل بمجردها و ذاتها على مسمّى خاص بها، إنسانا غالبا، أو غير إنسان-و تدل على الاستفهام من خارجها، بسبب افتراض أن همزة الاستفهام معها تقديرا... فكأنك إذا قلت: من عندك؟تفترض أن الأصل أمن عندك؟و أنهما فى تقديرك كلمتان: «الهمزة» ، و هى حرف معنى، و «من» الدالة على المسمى بها، أى: على الذات الخاصة التى تدل عليها: «من»
فلما كانت «من» لا تستعمل هنا إلا مع الاستفهام المقدر، استغنى وجوبا عن همزة الاستفهام لفظا، للزومها كلمة: «من» معنى، و صارت «من» نائبة عنها حتما؛ و لذلك بنيت؛ فدلالتها على الاسمية هى دلالة «لفظية» ، مرجعها لفظها، و دلالتها على الاستفهام جاءت من خارج لفظها [٢] . و لا يجوز إظهار الهمزة فى الكلام كما تظهر كلمة: «فى» مع الظروف جوازا؛ لأن الأمر مختلف؛ إذ الظرف ليس متضمنا معنى: «فى» بالطريقة السالفة، فيستحق البناء كما بنيت «من» الاستفهامية، و إنما كلمة: «فى» محذوفة من الكلام جوازا لأجل التخفيف؛ فهى فى حكم المنطوق به؛ و لذلك يجوز إظهارها. بخلاف الهمزة [٣] .
و كذلك كلمة: «أين» تدل و هى مجردة على معنى فى نفسها، هو:
المكان، و تدل أيضا على الاستفهام فيما بعدها، و هو معنى آخر جاءها من خارجها؛ بسبب تقدير همزة الاستفهام معها، ثم الاستغناء عن الهمزة وجوبا؛ لوجود ما يتضمن معناها.
[١] أول حاشية الأمير على الشذور، عند الكلام على الاسم.
[٢] شرح المفصل جـ ١ القسم الأول-قسم الأسماء.
[٣] شرح المفصل جـ ٢ ص ٤١ فى الظروف.