النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٧٠ - المسألة ٢٩
يسد مسد المفعولين أيضا. و لكنها لا تنصب إلا المضارع [١] ، و تخلص زمنه للاستقبال المحض و لا تنفصل منه بفاصل.. [٢] . و لا تغير زمن الماضى و لا تكون للحال فدلالتها الزمنية إما للماضى و إما للمستقبل [٣] ...
و ليس من هذا النوع ما يقع بعده جملة اسمية [٤] مسبوقة بما يدل على يقين، نحو: علمت «أن» ؛ محمد لقائم، أو جملة فعلية فعلها جامد: نحو: أعتقد أن ليس الظالم بمستريح النفس، فإنّ هذين من النوع الثانى (الذى تكون فيه «أن» مخففة من «أنّ» المشددة النون) [٥] ...
[١] أما الماضى و الأمر فلا تنصبهما لفظا و لا محلا. بخلاف (إن) الشرطية: فإنها لما قلبت الماضى إلى الاستقبال ناسبها أن تعمل فى محله. فأن المتصلة بالماضى أو الأمر هى الناصبة للمضارع و إن كانت بقية النواصب لا تدخل إلا على المضارع.
و وصل «أن» بالماضى، و عدم تغييرها زمنه أمر متفق عليه؛ أما وصلها بالأمر ففيه خلاف؛ فسيبويه يجوزه؛ بدليل دخول الجار عليها فى نحو: كتبت إليه بأن قم، أو: كتبت إليه بألا تقم (أصلها: «أن لا» ثم أدغمت «النون» فى «لا» الناهية) و حرف الجر لا يدخل إلا على الاسم فتؤول (أن) مع صلتها بمصدر طلبى؛ أى: بمصدر يفيد الأمر أو النهى... فيكون التقدير: كتبت إليه بالأمر بالقيام، أو بالنهى عن القيام...
و غير سيبويه يقول إن كل موضع وقع فيه الطلب (سواء أكان أمرا أم غيره) ، هو صالح لأن تكون «أن» فيه تفسيرية؛ بمعنى: «أى» المفسرة. و ذلك إذا لم يوجد حرف جر ظاهر قبل «أن» ؛ كقوله تعالى: (إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلىََ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ... ) و قوله تعالى: (فَأَوْحَيْنََا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ ... ) و قوله: (وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى اَلْحَوََارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي ... ) فهى فى كل هذه الأمثلة تفسيرية إن لم يقدر قبلها الجار؛ لانطباق وصف التفسيرية عليها (ذلك الوصف الذى يتلخص فى أمور ثلاثة مجتمعة؛ هى: وقوعها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، و خلوها من حرف جر، و وقوع جملة بعدها) و لا حاجة إلى تقدير حرف الجر عند عدم وجوده ظاهرا فى الكلام؛ إذ ما الداعى لتقديره، و اعتبارها مصدرية لا مفسرة؟أما إن وجد قبلها حرف جر ظاهر فهى زائدة عند أصحاب الرأى السالف، ففى مثل كتبت إليه بأن قم أو بألا تقم. (أصلها: أن لا تقم... ) يكون أصل الكلام كتبت إليه «بقم» أو بلا «تقم» ؛ زيدت «أن» منعا لصورة ظاهرية شكلية مكروهة و هى: دخول حرف الجر على الفعل ظاهرا: و إن كان فى الواقع اسما بسبب قصد لفظه... (اهـ، نقلا عن الخضرى جـ ١ أول باب الموصول، بتصرف يسير) .
و الخلاف بين الرأيين شكلى لا أثر له فى تكوين المفرد، أو الجملة، أو ضبط حروفهما، فكلا الرأيين يبيح هذا الاستعمال، و يرضى عن الأسلوب، و يعده فصيحا؛ و هذا هو الأهم. فلا مانع يمنع بعد ذلك من الأخذ بأحد الرأيين عند الإعراب إذ لا ترجيح بينهما.
[٢] انظر رقم ١ من هامش ص ٥١٨.
[٣] كما سيجىء البيان فى جـ ٣ باب إعمال المصدر ص ١٧٦ م ٩٩.
[٤] تكون هى الصلة و تسبك معه بمصدر.
[٥] «ملاحظة» -يقول النحاة: لم يرد فى الكلام الفصيح وقوع «أن» المصدرية بنوعيها المخففة و الناصبة للضارع مع صلتها مبتدأ يستغنى عن الخبر بحال سدت مسده. و لا بعد «كان» «و إن» الناسختين بغير فاصل من خبرهما. و لا بعد «لا» النافية للجنس غير المكررة. و هذا الحكم ينطبق على «ما» المصدرية و صلتها أيضا و سيجىء البيان فى جـ ٣ باب إعمال المصدر. م ٩٩ ص ١٧٧.