النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٠٣ - المسألة ٥٤
و فيما يلى بعض الأمثلة:
١L إن القاهرة و دمشق حاضرتان عظيمتان إن مكة و المدينة بلدان مكرّمان إنّ العدالة و النصفة كفيلتان بالأمن و الرخاء إن الظلم و الاستبداد مؤذنان بخراب العمران
٢L من التيسير الحسن إجازة النصب و الرفع فى كل كلمة من: (دمشق-المدينة- النصفة-الاستبداد... ) و أشباهها، مع الاقتصار، على معرفة هذا الحكم دون تعليله
فيكون الحكم فى الحالتين واحدا و القاعدة مطردة [١] ، سواء أكان المعطوف متقدما على الخبر متوسطا بينه و بين الاسم، كهذه الأمثلة، أم متأخرا عنهما معا، كالأمثلة الأولى.
[١] فتنطبق-فى يسر و وضوح-على الحالتين السالفتين، و على أحوال أخرى أتعبت كثرة النحاة فى توجيهها، لعدم أخذهم بهذه القاعدة السليمة، فلو أن هذه الكثرة لم تشدد بغير داع لاستراحت و أراحتنا من التعقيد المتعب. و لم يختلف النحاة فى حكم الحالة الأولى التى يقع فيها المعطوف متأخرا عن:
«إن» و معموليها، و إنما اختلفوا فى تعليل النصب و الرفع، و فى توجيه كل منهما؛ و هو خلاف تشعبت الأدلة فيه. و لما كانت الغاية المقصودة هى-كما قلنا-معرفة الحكم نفسه، و قد عرفناه، فلا حاجة بعده لاحتمال مشقة التعليل. و بالرغم من هذا نلخصه فى وضوح و دقة للمتخصصين:
تعليل النصب عند تأخر المعطوف عن الخبر و الاسم معا:
فى المثال الأول (إن الأقمار دائرات فى القضاء، و الشموس) يجوز أن تكون «الشموس» بالنصب معطوفة على «الأقمار» منصوبة مثلها. و «دائرات» خبر عن المعطوف مع المعطوف عليه. فأصل الكلام «إن الأقمار و الشموس دائرات فى الفضاء» فالعطف من نوع عطف الكلمة الواحدة على الكلمة الواحدة؛ و يسمونه: «عطف المفرد على المفرد» ، كما فى نحو: «إن الرسم و التصوير لغتان عالميتان» بعطف كلمة: «التصوير» على كلمة الرسم.
و يجوز أن يكون أصل الكلام: إن الأقمار دائرات، فى الفضاء؛ و إن الشموس دائرات...
فحذفت «إن» الثانية مع خبرها لدلالة ما قبلها عليها (و قد سبق فى ص ٥٨٠ الإشارة إلى هذا الحرف و صوره) أحواله) و كلمة: «الشموس» اسم «إن» المحذوفة مع خبرها؛ فتكون الجملة الاسمية الثانية المكونة من «إن» المحذوفة و من اسمها و خبرها، معطوفة على الجملة الاسمية الأولى المكونة من «إن» المذكورة و معموليها. و العطف هنا عطف جملة على جملة (راجع ص ٦٧ من الجزء الثامن من شرح المفصل) و هذا هو الإعراب الدقيق. لكن من التيسير فى مثل هذه الصورة إعراب «الشموس» معطوفة على اسم «إن» مباشرة مع إرادة التقدير السالف.
و فى المثال الثانى: (إن الشعر محمود فى مواطن، و النثر) -يجوز فى كلمة: «النثر» النصب و لكن على اعتبار أنها اسم «إن» المحذوفة مع خبرها؛ فأصل الكلام؛ إن الشعر محمود فى مواطن و إن النثر محمود فى مواطن.. فحذفت «إن» الثانية مع خبرها، و العطف هنا عطف جملة اسمية (مكونة من «إن» الثانية و معموليها) على الجملة الاسمية السابقة المكونة من «إن» المذكورة و معموليها. و لا يصح فى هذا المثال ما صح فى سابقه من عطف المفرد على المفرد (بعطف كلمة: «النثر» على كلمة: «الشعر» التى هى اسم «إن» ) ؛ لأن العطف على اسم «إن» مباشرة يؤدى هنا إلى تقرير مرفوض، إذ يجعل أصل الكلام: إن الشعر و النثر محمود فى مواطن. فيقع الخبر غير مطابق؛ لأنه مفرد، و اسم إن مع ما عطف عليه متعدد فى حكم المثنى، فتضيع المطابقة اللفظية الواجبة بين المبتدأ و الخبر، أو: بين ما أصله المبتدأ و الخبر؛ إذ لا يصح أن يقال: «إن الهواء و الماء ضرورى للحياة بإعراب كلمة: «الماء» معطوفة على: «الهواء»