النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٧٣ - المسألة ٥١
ق-و من الأساليب الفصيحة المسموعة قولهم: «كأنك بالفرج آت؛ و بالشتاء مقبل» . «و كأنك بالدنيا لم تكن، و بالآخرة لم تزل» و قد تعددت الآراء فى المراد. و منها فى الأسلوب الأول: التعبير عن قرب مجىء الفرج، و قرب إقبال الشتاء. و فى الثانى خطاب متجه إلى المحتضير: كأن الدنيا لم تكن (أى:
لم توجد) أو كأنك لم تكن بالدنيا، لقصر المدة فيها فى الحالتين، و كأنك فى الآخرة-تتوهم أنك لم تزل عن الدنيا و لم تبارحها. و قد اختلف النحاة كذلك فى إعراب تلك الأساليب إعرابا يساير معنى واضحا؛ و مما ارتضوه فى الأسلوب الأول أن يكون معنى «كأن» هنا: التقريب. و الكاف اسمها. و أصل الكلام. كأن زمانك آت بالفرج. ثم حذف المضاف، و هو كلمة: «زمان» . أما الخبر فهو كلمة: «آت» مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة. و الجار و المجرور: (بالفرج) متعلق بالخبر: (آت) .
و بالشتاء-الواو حرف عطف، و الجار مع مجروره متعلق بكلمة: مقبل؛ المعطوفة على كلمة «آت» السابقة؛ فأصل الكلام: كأنّ زمانك آت بالفرج، و مقبل «بالشتاء» .
و ارتضوا فى الأسلوب الأخير أن يكون الخبر محذوفا فيهما. و جملة: «لم تكن» ، و كذلك جملة.
«لم تزل» فى محل نصب حال. و الأصل: كأنك تبصر بالدنيا حالة كونك لم تكن بها (لأنك تبصرها فى لحظة مغادرتها) و كأنك تبصر بالآخرة فى حالة كونك لم تزل (أى: فى حالة لم تزل عن الدنيا، و لم تغادرها نهائيا) .
و هناك إعرابات أخرى كل منها يساير معنى معينا، فتختلف الإعرابات باختلاف المعانى التى يتضمنها كل أسلوب. (راجع حاشية الصبان جـ ١ عند الكلام على: كأن) . و لعل الإعراب الواضح الذى يساير معنى واضحا فى المثالين الأولين هو: افتراض أصلهما: كأنك آت بالفرج و مقبل بالشتاء، و هذا مع مسايرته المعنى يفيد القرب الذى سيق الأسلوب شاهدا عليه. لأن المخاطبة دليل القرب.
و لا مانع من اعتبار: كأن للقرب أو للشعيه. فإن كانت للقرب فمعناها ظاهر، و إن كانت للتشبيه فالمراد «كأنك شخص أو شىء آت بالفرج، و مقبل بالشتاء. فالمشبه به محذوف. و على هذا أو ذاك- «الكاف» اسمها: «آت» خبرها. بـ «الفرج» جار و مجرور متعلق بالخبر. و «مقبل» «الواو» -حرف عطف «مقبل» معطوف على: «آت» . و بـ «الشتاء» جار و مجرور متعلق بكلمة:
«مقبل» و ما يقولونه فى تأييد إعرابهم المخالف مردود و ضعيف (كالذى ورد فى المغنى و التصريح و حواشيهما عند الكلام على: كأن) .
كما يصح فى المثال الأخير: اعتبار كلمة «كأن» للتشبيه (تشبيه المخاطب فى هذه الحالة بنفسه فى حالة أخرى؛ فالمشبه و المشبه به شخص واحد، و لكن فى حالتين مختلفين، و هذا أمر جائز عندهم كما أسلفنا.
أى: كأنك فى حالة وجودك بالدنيا شبيه بنفسك فى حالة عدم وجودك بها. ) «فالكاف» اسمها، و الجار و المجرور؛ (بالدنيا) متعلق بالفعل: «تكن» فكلمة: «لم» حرف جزم. «تكن» تامة بمعنى «توجد» فعل مضارع مجزوم بها. و الفاعل: أنت، و الجملة فى محل رفع خبر: «كأن» . (فالمراد:
كأنك عند الاحتضار لم توجد بالدنيا، فأنت فى حالتك هذه تشبه نفسك فى حالة عدم وجودك فيها؛ فالحالتان سيان) . و «بالآخرة» الواو حرف عطف. الجار و المجرور حال مقدم من الضمير فاعل الفعل المضارع: «تزل» المجزوم بالحرف: «لم» (فالمراد: كأنك لم توجد بالدنيا و لم تزل عنها فى حالة وجودك بالآخرة؛ لأنك على بابها. و الجملة الفعلية الثانية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة) .
و يرى فريق آخر قصر التشبيه فى: «كأن» على الحالة التى يكون فيها خبرها جامدا؛ مثل:
«كأن البخيل حجر» . أما فى غيره فهى للتحقيق، أو: التقريب، أو الظن... و من أمثلة التحقيق عندهم قوله تعالى: (وَيْكَأَنَّهُ لاََ يُفْلِحُ اَلْكََافِرُونَ ) ، إذ المعنى هنا محقق قطعا. و لا مجال فيه للتشبيه.
و مثله قول الشاعر المتغزل:
كأننى حين أمسى لا تكلمنى # متيّم أشته ما ليس موجودا
و هذا رأى حسن و لكن جمهرتهم لا يخرجونها عن التشبيه، و حجتهم ما ذكرنا من أن المشبه به قد يكون محذوفا. و قد يكون هو المشبه أيضا، و لكن فى حالة أخرى كما سبقت الإشارة؛ ففى مثل: «كأن عليا