النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٨٢ - زيادة و تفصيل
و إذا قلت: لا تهمل القراءة، و تجلس (برفع: تجلس) ، فالنهى منصب على القراءة وحدها، أما الجلوس فمباح. (فالواو هنا: للاستئناف، و هى تفيد ذلك المعنى. ) فالمضارع قد تغيرت علامة آخره على حسب تغير المعانى المختلفة، و العوامل التى تعاقبت عليه، فأشبه الاسم من هذه الجهة، فأعرب مثله.
أما بناؤه مع نون التوكيد، و نون النسوة فلأنهما من خصائص الأفعال، فوجود إحداهما فيه أبعده من مشابهة الاسم المقتضية للإعراب، فعاد إلى الأصل الأول فى الأفعال؛ و هو البناء؛ لأن الأصل فيها البناء-كما سبق-و أما الإعراب فى المضارع أحيانا، فأمر عارض، و ليس بأصيل.
هكذا يقولون!و ليس بمقبول، فهل يقبل أن سبب بناء الحرف هو دلالته فى الجملة على معنى فى غيره، و عدم دلالته و هو مستقل على ذلك المعنى التركيبىّ؛ فلا حاجة له بالإعراب؛ لأن وظيفة الإعراب تمييز المعانى التركيبية بعضها من بعض؟إذا لم التفرقة فنقول إن كلمة: «ابتداء» وحدها التى تفهم من الحرف: «من» هى اسم، و كلمة: «من» نفسها هى حرف، مع أنها تفيد عند وضعها فى الجملة معنى الابتداء، فكلاهما يتوقف فهمه على أمرين؛ ؛ شىء كان هو المبتدئ، و شىء آخر كان المبتدأ منه؟
هل السبب ما سطروه من دليل جدلىّ مرهق، هو: أن معانى الأسماء تتوقف على أمور كلية معلومة لكل فرد بداهة، فكأنها مستقلة؛ مستغنية عن غيرها؟فلفظة: «ابتداء» عندهم معناها مطلق ابتداء شىء من شىء آخر، بغير تخصيص، و لا تعيين، و لا تحديد. و شىء هذا شأنه يمكن أن يعرفه كل أحد، و يدركه بالبداهة كل عقل. بخلاف معنى الابتداء فى لفظة: «من» حين نقول مثلا: سرت من القاهرة، فإن الابتداء هنا خاص مقيد بأنه ابتداء «سير» لا ابتداء قراءة: ، أو أكل، أو كتابة، أو سفر. أو... و أنه ابتداء «سير» من مكان معين؛ هو: القاهرة. فليس الابتداء فى هذا المثال معنى مطلقا كما فى سابقه، و ليس فهمه ممكنا إلا بعد إدراك أمرين مخصوصين؛ يتوقف فهمه عليهما، و لا يعرفان إلا بالتصريح باسمهما، هما: السير و القاهرة. أى: أن المعنى إن لوحظ فى ذاته مجردا من كل قيد، كان مستقلا، و كان التعبير عنه من اختصاص الاسم، «كالابتداء» ، و إن لوحظ حاله بين أمرين، كان غير