النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٠٢ - زيادة و تفصيل
قثم قال الباحث المعاصر:
١-و شواهد هذا الاستعمال كثيرة فى الحديث و الشعر؛ منها-غير ما تقدم-قول رافع فى البخارى فى باب الحرث و الزرع: ( «كنا نكرى الأرض بالناحية، منها مسمى لسيّد الأرض، قال فمما يصاب ذلك و تسلم الأرض، و مما تصاب الأرض و يسلم ذلك... ) ‘‘. و منها قول ابن عباس الوارد فى صحيح مسلم فى كتاب تعبير الرؤيا ( «إن رسول اللّه كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا فليقصّها أعبرها له» ) .
و منها قول البراء بن عازب: ( «كنا إذا صلينا خلف رسول اللّه مما نحب أن نكون عن يمينه. » ) و منها:
و إنّا لممّا نضرب الكبش ضربة # على رأسه تلقى اللسان من الفم
ثم قال الباحث: تعرض لهذا اللفظ السيرافى فى شرح كتاب سيبويه بما نصه: '' (قال سيبويه:
اعلم أنهم مما يحذفون الكلم و إن كان أصله فى الكلام غير ذلك... ) ، قال السيرافى: (أراد: ربما يحذفون... و هو يستعمل هذه الكلمة كثيرا فى كتابه. و العرب تقول: أنت مما تفعل كذا... أى:
ربما تفعل. و تقول العرب أيضا: «أنت مما أن تفعل. أى: أنت من الأمر أن تفعل؛ فتكون «ما» بمنزلة الأمر-أى: الشىء-و «أن تفعل» بمنزلة الفعل؛ (أى: مصدر تقديره: «فعل» ، أى: بمنزلة هذا اللفظ) و يكون «بأن تفعل» ، فى موضع رفع بالابتداء، و خبره: «مما» و تقديره: أنت فعلك كذا و كذا من الأمر الذى تفعله... » ) اهـ. و كلام السيرافى-كما نقله الباحث-لم يوضح الأسلوب الأخير المشتمل على: (أن تفعل)
٢-و من السيرافى أخذ ابن هشام فى كتابه المغنى عند الكلام على معانى: «من» ، فقال عن العاشر من معانيها (مرادفة: «ربما» و ذلك إذا اتصلت «بما» كما فى قول الشاعر أبى حية النميرى:
و إنا لمما نضرب الكبش ضربة # على رأسه تلقى اللسان من الفم
قاله السيرافى و فريق غيره من النحاة و خرجوا عليه قول سيبويه: «و اعلم أنهم مما يحذفون الكلم... » .
و الظاهر أن «من» فيهما ابتدائية، و «ما» مصدرية، و أنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الضرب مثل خلق الإنسان من عجل. ) اهـ.
و فى كلامه هذا احتمال مخالفتهم فى أن جعلوها بمنزلة: «ربما» ، لأن: «ربما» لا تتعين للتكثير، و احتمال أنه فسر كلامهم بحمله على إرادة التكثير كما فسر آخرون.
و قد أشار ابن هشام-كبعض من سبقوه-إلى كيفية الحذف التى اعتورت هذا التركيب، و أبقت فيه معنى التكثير، أو معنى «ربما» ، أو غير ذلك، كما هو واضح من كلامهم حيث يظهر ترددهم فى منشأ معنى التكثير؛ أمنشؤه الحرف «من» كما يرى ابن هشام، أم الحرف ( «ما» كما يرى غيره؟
٣-و ينبغى التنبه إلى أن هذا التركيب إذا استعمل هذا الاستعمال يجىء فى موضع خبر المبتدأ و يجىء فى موضع خبر «كان» ؛ .... و يكون فى موضع الحال.... و... فمن ظن اختصاص ذلك بخبر «كان» فقد وهم.
و التنبه إلى أن أصل استعماله فى هذا المعنى ألا يصرح معه بلفظ الكثرة، فما وقع فيه لفظ كثير فهو جار مجرى التفسير من الراوى، أو مجرى التأكيد من القائل؛ لخفاء دلالة التركيب على التكثير، و مثاله قول سمرة بن جندب: «كان رسول اللّه مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى أحد منكم رؤيا... ؟» ، و قول أبى موسى: «و كان رسول اللّه كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء» .
و التنبه إلى أن قول السيرافى: و تقول العرب أيضا «أنت مما أن تفعل... » -غريب، لا يعرف شاهده من فصيح الكلام؛ فضلا عن كون الحرف «أن» فيه غير واقع موقعا، مع ما فيه من اجتماع ثلاثة أحرف متوالية من أحرف المعانى، و هى: «من» و «ما» و «أن» سواء أجعلت «ما» مصدرية أم زائدة.
و إلى هنا انته كلام الباحث، بعد الاستغناء عن بضع كلمات منه.
هذا و يوضح ما سبق أيضا ما جاء فى كتاب سيبويه-جـ ١ ص ٤٧٦» -أن «من» الجارة إذا كفّت بالحرف «ما» الزائد قد تكون بمعنى: «ربما» و استشهد بالبيت السالف.