البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٤٧ - الكهف آيه ٨٢-٥٦
يَكُنْ ذَلِكَ الْكَنْزُ بِذَهَبٍ وَ لاَ فِضَّةٍ،وَ لَكِنْ كَانَ لَوْحاً مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ:عَجَبٌ [١] لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبٌ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ،عَجَبٌ لِمَنْ أَيْقَنَ أَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ كَيْفَ يَظْلِمُ،عَجَبٌ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وَ تَصَرُّفَ أَهْلِهَا حَالاً بَعْدَ حَالٍ كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا،وَ كَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً،وَ كَانَ بَيْنَهُمَا وَ بَيْنَ هَذَا الْأَبِ الصَّالِحِ سَبْعُونَ أَباً، فَحَفِظَهُمَا اللَّهُ بِصَلاَحِهِ،ثُمَّ قَالَ: فَأَرٰادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغٰا أَشُدَّهُمٰا وَ يَسْتَخْرِجٰا كَنزَهُمٰا فَتَبَرَّأَ مِنَ الْإِبَانَةِ فِي آخِرِ الْقِصَصِ،وَ نَسَبَ الْإِرَادَةَ كُلَّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِمَّا فَعَلَهُ فَيُخْبِرَ بِهِ بَعْدُ وَ يَصِيرَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِهِ مُخْبَراً وَ مُصْغِياً إِلَى كَلاَمِهِ تَابِعاً لَهُ،فَتَجَرَّدَ مِنَ الْإِبَانَةِ وَ الْإِرَادَةِ تَجَرُّدَ الْعَبْدِ الْمُخْلِصِ،ثُمَّ صَارَ مُتَنَصِّلاً مِمَّا أَتَاهُ مِنَ نِسْبَةِ الْإِبَانَةِ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ،وَ مِنِ ادِّعَائِهِ الاِشْتِرَاكَ فِي ثَانِي الْقِصَّةِ،فَقَالَ: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ مٰا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذٰلِكَ تَأْوِيلُ مٰا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً .
ثُمَّ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ):«إِنَّ أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لاَ يُحْمَلَ عَلَى الْمَقَايِيسِ،وَ مَنْ حَمَلَ أَمْرَ اللَّهِ عَلَى الْمَقَايِيسِ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ،إِنَّ أَوَّلَ مَعْصِيَةٍ ظَهَرَتْ،الْإِبَانَةُ مِنْ إِبْلِيسَ اللَّعِينِ،حِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَلاَئِكَتَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَسَجَدُوا،وَ أَبَى إِبْلِيسُ اللَّعِينُ أَنْ يَسْجُدَ،فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: مٰا مَنَعَكَ أَلاّٰ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قٰالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٢]فَكَانَ أَوَّلُ كُفْرِهِ قَوْلَهُ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ثُمَّ قِيَاسَهُ بِقَوْلِهِ: خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فَطَرَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ جِوَارِهِ وَ لَعَنَهُ وَ سَمَّاهُ رَجِيماً،وَ أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ لاَ يَقِيسُ أَحَدٌ فِي دِينِهِ إِلاَّ قَرَنَهُ مَعَ عَدُوِّهِ إِبْلِيسَ فِي أَسْفَلِ دَرْكٍ مِنَ النَّارِ».
/٦٧٠٩ _٣-علي بن إبراهيم،قال:و كان سبب ذلك أنّه لما كلم اللّه موسى(عليه السلام)تكليما،و أنزل عليه الألواح،و فيها كما قال اللّه تعالى: وَ كَتَبْنٰا لَهُ فِي الْأَلْوٰاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ [٣]رجع موسى(عليه السلام)إلى بني إسرائيل،فصعد المنبر فأخبرهم أن اللّه قد أنزل عليه التوراة و كلمه،قال في نفسه:ما خلق اللّه خلقا أعلم مني،فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى جبرئيل(عليه السلام)أن أدرك موسى فقد هلك،و أعلمه أن عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلا أعلم منك فصر إليه،و تعلم من علمه؛فنزل جبرئيل(عليه السلام)على موسى(عليه السلام) و أخبره فذل موسى(عليه السلام)في نفسه،و علم أنّه أخطأ و دخله الرعب،و قال لوصيه يوشع بن نون:إن اللّه قد أمرني أن أتبع رجلا عند ملتقى البحرين و أتعلم منه.فتزود يوشع بن نون حوتا مملوحا و خرجا،فلما خرجا و بلغا ذلك المكان وجدا رجلا مستلقيا على قفاه فلم يعرفاه،فأخرج وصي موسى الحوت و غسله بالماء و وضعه على الصخرة،و مضيا و نسيا الحوت،و كان ذلك الماء ماء الحيوان،فحيي الحوت و دخل الماء،فمضى موسى(عليه السلام) و يوشع بن نون معه حتّى عييا [٤]:فقال لوصيه: آتِنٰا غَدٰاءَنٰا لَقَدْ لَقِينٰا مِنْ سَفَرِنٰا هٰذٰا نَصَباً أي عناء [٥] فذكر
[١] في«ط»في جميع المواضع:عجبت.
[٢] الأعراف ٧:١٢.
[٣] الأعراف ٧:١٤٥.
[٤] في المصدر:عشيا،و في«ق»:جيعا.
[٥] في«ج»و«ق»:عيّا.