البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٤٩ - الحجر آيه ٣٨-٢٧
يَا آدَمُ،أَنْتَ عِنْدِي أَكْرَمُ مِنْ مَلاَئِكَتِي إِذَا أَطَعْتَنِي وَ رَعَيْتَ عَهْدِي،وَ لَمْ تَكُنْ جَبَّاراً كَفُوراً.وَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقْبَلُ الْأَمَانَةَ وَ الْعَهْدَ،وَ لاَ يَسْأَلُ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ وَ الْعِصْمَةَ،وَ شَهِدَ الْمَلاَئِكَةُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ مَكَثَ آدَمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ حَوَّاءُ مُكَلَّلِينَ مُتَوَّجِينَ مُكَرَّمِينَ لَمَّا دَخَلاَ الْجَنَّةَ حَتَّى كَانَا فِي وَسَطِ جَنَّاتِ عَدْنٍ، نَظَرَ آدَمُ وَ إِذَا هُوَ بِسَرِيرٍ مِنْ جَوْهَرٍ،لَهُ سَبْعُمِائَةِ قَائِمَةٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ،وَ لَهُ سُرَادِقَاتٌ [١] كَثِيرَةٌ،وَ عَلَى ذَلِكَ السَّرِيرِ فُرُشٌ مِنَ السُّنْدُسِ وَ الْإِسْتَبْرَقِ،وَ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ كُثْبَانٌ مِنَ الْمِسْكِ وَ الْكَافُورِ وَ الْعَنْبَرِ،وَ عَلَى السَّرِيرِ أَرْبَعُ قِبَابٍ:فِيهِ الرِّضْوَانُ وَ الْغُفْرَانُ وَ الْخُلْدُ وَ الْكَرَمُ،فَنَادَاهُ السَّرِيرُ:إِلَيَّ يَا آدَمُ،فَلَكَ خُلِقْتُ،وَ لَكَ زُيِّنْتُ.فَنَزَلَ آدَمُ عَنْ فَرَسِهِ،وَ حَوَّاءُ عَنْ نَاقَتِهَا،وَ جَلَسَا عَلَى السَّرِيرِ بَعْدَ أَنْ طَافَا عَلَى جَمِيعِ نَوَاحِي الْجَنَّةِ،ثُمَّ قُدِّمَ لَهُمَا مِنْ عِنَبِ الْجَنَّةِ وَ فَوَاكِهِهَا فَأَكَلاَ مِنْهَا،ثُمَّ تَحَوَّلاَ إِلَى قُبَّةِ الْكَرَمِ،وَ هِيَ أَزْيَنُ الْقِبَابِ،وَ عَنْ يَمِينِ السَّرِيرِ يَوْمَئِذٍ جَبَلٌ مِنْ مِسْكٍ،وَ عَنْ يَسَارِهِ جَبَلٌ مِنْ عَنْبَرٍ،وَ شَجَرَةُ طُوبَى قَدْ أَظَلَّتْ عَلَى السَّرِيرِ،فَأَحَبَّ آدَمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَنْ يَدْنُوَ مِنْ حَوَّاءَ،فَأَسْبَلَتِ الْقِبَابُ سُتُورَهَا، وَ انْظَمَّتِ الْأَبْوَابُ،وَ تَغَشَّاهَا وَ كَانَ مَعَهَا كَأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ مِنْ أَعْوَامِ الدُّنْيَا فِي أَتَمِّ السُّرُورِ وَ أَنْعَمِ الْأَحْوَالِ.وَ كَانَ آدَمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَنْزِلُ عَنِ السَّرِيرِ،وَ يَمْشِي فِي مَنَابِرِ الْجَنَّةِ،وَ حَوَّاءُ خَلْفَهُ تَسْحَبُ سُنْدُسَهَا،وَ كُلَّمَا تَقَدَّمَا مِنْ قَصْرٍ نُثِرَتْ عَلَيْهِمَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَا إِلَى السَّرِيرِ،وَ إِبْلِيسُ(لَعَنَهُ اللَّهُ)خَائِفٌ لِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ طَعْنِهِمْ لَهُ بِالْحِرَابِ وَ رَجْمِهِمْ إِيَّاهُ،وَ صَارَ مُخْتَفِياً عَنْ آدَمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ حَوَّاءَ،فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ وَ إِذَا هُوَ بِصَوْتٍ عَالٍ:يَا أَهْلَ السَّمَاوَاتِ،قَدْ سَكَنَ آدَمُ وَ حَوَّاءُ الْجَنَّةَ بِالْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ،وَ أَبَحْتُ لَهُمَا جَمِيعَ مَا فِي الْجَنَّةِ إِلاَّ شَجَرَةَ الْخُلْدِ،فَإِنْ قَرِبَاهَا وَ أَكَلاَ مِنْهَا كَانَا مِنَ الظَّالِمِينَ».
قَالَ:«فَلَمَّا سَمِعَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ ذَلِكَ فَرِحَ فَرَحاً شَدِيداً،وَ قَالَ:لَأُخْرِجَنَّهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ.ثُمَّ أَتَى مُسْتَخْفِياً فِي طُرُقِ السَّمَاوَاتِ.حَتَّى وَقَعَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ،وَ إِذَا بِالطَّاوُسِ وَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ،وَ لَهُ جَنَاحَانِ،إِذَا نَشَرَ أَحَدَهُمَا غَطَّى بِهِ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى،وَ لَهُ ذَنَبٌ مِنْ زُمُرُّدَةٍ صَفْرَاءَ،وَ هُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ،وَ عَلَى كُلِّ جَوْهَرٍ مِنْهُ رِيشَةٌ بَيْضَاءُ،وَ هُوَ أَطْيَبُ طُيُورِ الْجَنَّةِ صَوْتاً وَ تَغْرِيداً،وَ أَحْسَنُهَا أَلْحَاناً بِالتَّسْبِيحِ وَ الثَّنَاءِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،وَ كَانَ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ وَ يَمُرُّ صَفْحَ [٢] السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ،يَخْطِرُ فِي مَشْيِهِ،وَ يُرَجِّعُ فِي تَسْبِيحِهِ،فَيَعْجَبُ جَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ مِنْ حُسْنِ صُورَتِهِ وَ تَسْبِيحِهِ،فَيَرْجِعُ إِلَى الْجَنَّةِ.فَلَمَّا رَآهُ إِبْلِيسُ دَعَا بِهِ بِكَلاَمٍ لَيِّنٍ،وَ قَالَ:أَيُّهَا الطَّائِرُ الْعَجِيبُ الْخِلْقَةِ،حَسَنُ الْأَلْوَانِ، طَيِّبُ الصَّوْتِ،أَيُّ طَائِرٍ أَنْتَ مِنْ طُيُورِ الْجَنَّةِ؟قَالَ:أَنَا طَاوُسُ الْجَنَّةِ،وَ لَكِنْ مَا لَكَ-أَيُّهَا الشَّخْصُ-مَذْعُورٌ،كَأَنَّكَ تَخَافُ طَالِباً يَطْلُبُكَ؟فَقَالَ إِبْلِيسُ:أَنَا مَلَكٌ مِنْ مَلاَئِكَةِ الصَّفِيحِ [٣] الْأَعْلَى،مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْكَرُوبِيِّينَ الَّذِينَ لاَ يَفْتُرُونَ عَنِ التَّسْبِيحِ سَاعَةً وَ لاَ طَرْفَةَ عَيْنٍ،جِئْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا،فَهَلْ لَكَ أَنْ تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ وَ أُعَلِّمَكَ ثَلاَثَ كَلِمَاتٍ،مَنْ قَالَهُنَّ لاَ يَهْرَمُ وَ لاَ يَسْقُمُ وَ لاَ يَمُوتُ؟فَقَالَ الطَّاوُسُ:وَيْحَكَ-أَيُّهَا الشَّخْصُ-أَهْلُ الْجَنَّةِ يَمُوتُونَ؟قَالَ إِبْلِيسُ:نَعَمْ،يَمُوتُونَ وَ يَهْرَمُونَ وَ يَسْقُمُونَ إِلاَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ.وَ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ،فَوَثِقَ
[١] السرادقات:جمع سرادق،ما أحاط بالبناء.«لسان العرب-سردق-١٠:١٥٧».
[٢] صفح كلّ شيء:وجهه و ناحيته.«لسان العرب-صفح-٢:٥١٦».
[٣] الصّفيح:من أسماء السّماء.«النهاية-صفح-٣:٣٥».