البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤١٥ - النحل آيه ٢٥-٢٠
أَمَانَةً،وَ لاَ أَشْبَهُوكُمْ فِي الصُّوَرِ،وَ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ [١] عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى صُورَةَ عَدُوِّهِ مِثْلَ صُورَتِهِ».
قُلْتُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،فَمَا صَنَعَ بِالطِّينَتَيْنِ؟ قَالَ:«مَزَجَ بَيْنَهُمَا بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ وَ الْمَاءِ الثَّانِي،ثُمَّ عَرَكَهَا عَرْكَ الْأَدِيمِ،ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ قَبْضَةً،فَقَالَ:هَذِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ لاَ أُبَالِي؛وَ أَخَذَ قَبْضَةً أُخْرَى،وَ قَالَ:هَذِهِ إِلَى النَّارِ وَ لاَ أُبَالِي؛ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمَا،فَوَقَعَ مِنْ سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَ طِينَتِهِ عَلَى سِنْخِ الْكَافِرِ وَ طِينَتِهِ،وَ وَقَعَ مِنْ سِنْخِ الْكَافِرِ وَ طِينَتِهِ عَلَى سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَ طِينَتِهِ.فَمَا رَأَيْتَهُ مِنْ شِيعَتِنَا مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ أَوْ تَرْكِ صَلاَةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ،أَوْ جِنَايَةٍ [٢]،أَوْ كَبِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَبَائِرِ،فَهُوَ مِنْ طِينَةِ النَّاصِبِ وَ عُنْصُرِهِ الَّذِي قَدْ مُزِجَ فِيهِ،لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ النَّاصِبِ وَ عُنْصُرِهِ وَ طِينَتِهِ اكْتِسَابُ الْمَآثِمِ وَ الْفَوَاحِشِ وَ الْكَبَائِرِ،وَ مَا رَأَيْتَ مِنَ النَّاصِبِ،وَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلاَةِ وَ الصِّيَامِ وَ الزَّكَاةِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ أَبْوَابِ الْبِرِّ،فَهُوَ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَ سِنْخِهِ الَّذِي قَدْ مُزِجَ فِيهِ،لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَ عُنْصُرِهِ وَ طِينَتِهِ اكْتِسَابَ الْحَسَنَاتِ وَ اسْتِعْمَالَ الْخَيْرِ وَ اجْتِنَابَ الْمَآثِمِ.
فَإِذَا عُرِضَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،قَالَ:أَنَا عَدْلٌ لاَ أَجُورُ،وَ مُنْصِفٌ لاَ أَظْلِمُ،وَ حَكَمٌ لاَ أَحِيفُ وَ لاَ أَمِيلُ وَ لاَ أَشْطُطُ،أَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي اجْتَرَحَهَا الْمُؤْمِنُ بِسِنْخِ النَّاصِبِ وَ طِينَتِهِ،وَ أَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ الْحَسَنَةَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا النَّاصِبُ بِسِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَ طِينَتِهِ،رُدُّوهَا كُلَّهَا إِلَى أَصْلِهَا،فَإِنِّي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا عَالِمُ السِّرِّ وَ أَخْفَى،وَ أَنَا الْمُطَّلَعُ عَلَى قُلُوبِ عِبَادِي،لاَ أَحِيفُ وَ لاَ أَظْلِمُ،وَ لاَ أُلْزِمُ أَحَداً إِلاَّ بِمَا عَرَفْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَهُ».
ثُمَّ قَالَ الْبَاقِرُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«يَا إِبْرَاهِيمُ،اقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ»قُلْتُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،أَيَّةَ آيَةٍ؟قَالَ:«قَوْلَهُ تَعَالَى: قٰالَ مَعٰاذَ اللّٰهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّٰ مَنْ وَجَدْنٰا مَتٰاعَنٰا عِنْدَهُ إِنّٰا إِذاً لَظٰالِمُونَ [٣]هُوَ فِي الظَّاهِرِ مَا تَفْهَمُونَهُ،وَ هُوَ-وَ اللَّهِ-فِي الْبَاطِنِ هَذَا بِعَيْنِهِ.يَا إِبْرَاهِيمُ،إِنَّ لِلْقُرْآنِ ظَاهِراً وَ بَاطِناً،وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً،وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً».
ثُمَّ قَالَ:«أَخْبِرْنِي-يَا إِبْرَاهِيمَ-عَنِ الشَّمْسِ إِذَا طَلَعَتْ،وَ بَدَأَ شُعَاعُهَا فِي الْبُلْدَانِ،أَ هُوَ بَائِنٌ مِنَ الْقُرْصِ؟» قُلْتُ:فِي حَالِ طُلُوعِهِ بَائِنٌ.قَالَ:«أَ لَيْسَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ اتَّصَلَ ذَلِكَ الشُّعَاعُ بِالْقُرْصِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ؟»قُلْتُ:نَعَمْ.
قَالَ:«كَذَلِكَ يَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى سِنْخِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ أَصْلِهِ،فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ،نَزَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ سِنْخَ النَّاصِبِ وَ طِينَتَهُ مَعَ أَثْقَالِهِ وَ أَوْزَارِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ،فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالنَّاصِبِ،وَ يَنْزِعُ سِنْخَ الْمُؤْمِنِ وَ طِينَتَهُ مَعَ حَسَنَاتِهِ وَ أَبْوَابِ بِرِّهِ وَ اجْتِهَادِهِ مِنَ النَّاصِبِ،فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالْمُؤْمِنِ،أَ فَتَرَى هَاهُنَا ظُلْماً أَوْ عُدْوَاناً؟»قُلْتُ:لاَ،يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ:«هَذَا-وَ اللَّهِ-اَلْقَضَاءُ الْفَاصِلُ،وَ الْحُكْمُ الْقَاطِعُ،وَ الْعَدْلُ الْبَيِّنُ،لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْأَلُونَ،هَذَا-يَا إِبْرَاهِيمُ-اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ،فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ،وَ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْمَلَكُوتِ».
قُلْتُ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،وَ مَا حُكْمُ الْمَلَكُوتِ؟ قَالَ:«حُكْمُ اللَّهِ وَ حُكْمُ أَنْبِيَائِهِ،وَ قِصَّةُ الْخَضِرِ وَ مُوسَى(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)حِينَ اسْتَصْحَبَهُ،فَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً*
[١] في المصدر:أكبر.
[٢] في المصدر:أو خيانة.
[٣] يوسف ١٢:٧٩.