البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٥٩ - الحجر آيه ٣٨-٢٧
هبط إليكم إنسان نسي عهد ربّه،فسماه إنسانا،فأول ما سمع النسر بذلك انفض إلى الحوت و أخبره بذلك ففزع، و قال كل واحد منهما لصاحبه:هذا وقت الوداع بيني و بينك،فويل لأهل البحر و البر من هذا الإنسان.
قال:و بقي آدم(عليه السلام)باكيا ساجدا لله تعالى حتّى شربت الطير من دموعه،و نبتت الأشجار و رسخت عروق رجليه في الأرض كما ترسخ الأشجار،و بكت معه السباع،فلما لقيته ولت عنه هاربة،و قالت:نحن سكان الأرض قبلك يا آدم،و قد أفزعتنا و أبكيتنا لبكائك،و أورثتنا حزنا طويلا.فمن ذلك [١] صارت لا تأنس ببني آدم، و يقال:تفرقت عنه جميع الطيور أيضا إلاّ النسر،فإنه كان يساعده.
ثمّ أنبت اللّه له الشعر و اللحية،فكان آدم(عليه السلام)قبل ذلك اليوم أمرد كأنّه الفضة البيضاء،فلما نظر آدم(عليه السلام)إلى اللحية،قال:«يا ربّ،ما هذا الذي لم أعهده منك في الجنة؟».قال:«هذه لحيتك،غير أنّها زينتك،ليعرف الذكر من الأنثى».
و
رُوِيَ أَنَّهُ أَقَامَ عَلَى الْبُكَاءِ ثَلاَثَمِائَةِ عَامٍ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ،وَ هُوَ يَقُولُ:«بِأَيِّ وَجْهٍ أَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، وَ هَبَطْتُ مِنْهَا عُرْيَاناً عَاصِياً؟»فَبَكَتِ الْأَنْعَامُ وَ الطُّيُورُ وَ السِّبَاعُ،وَ لَقَدْ أَبْكَى الْكَرُوبِيِّينَ وَ الرُّوحَانِيِّينَ،وَ قَالُوا:إِلَهَنَا،أَقِلْ عَثْرَتَهُ فَإِنَّهُ فِي حُرْقَةٍ مِنَ الذَّنْبِ.
و
قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «لَوْ وُضِعَ بُكَاءُ يَعْقُوبَ عَلَى يُوسُفَ،وَ بُكَاءُ جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ لَرَجَحَ بُكَاءُ آدَمَ عَلَى بُكَائِهِمْ،وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْ دُمُوعِهِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ كَفَّ عَنِ الْبُكَاءِ مِائَةَ عَامٍ،تَشْرَبُ مِنْهُ الْوُحُوشُ وَ السِّبَاعُ وَ الطُّيُورُ،وَ لِدُمُوعِهِ رَائِحَةٌ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ،وَ لِذَلِكَ كَثُرَ الطِّيبَ فِي بِلاَدِ الْهِنْدِ».
فعند ذلك أمر اللّه تعالى جبرئيل:«أن آدم بديع فطرتي،قد أبكى السماوات السبع و الأرضين السبع،و لم يذكر أحدا غيري و لا يخاف سواي،و لقد أحرقت قلبه خطيئته،و هو أول من عبدني،و أول من دعاني بأسمائي الحسنى،و أنا الرحمن [٢] الذي سبقت رحمتي غضبي،و لقد قضيت في سابق علمي أن من دعاني نادما على ذنبه متضرعا،أن تدركه رحمتي،و ها أنا قد خصصته بكلمات تكون له توبة،تخرجه من الظلمات إلى النور».فنزل بها جبرئيل و له نور،و هو ضاحك مستبشر على آدم(عليه السلام)،فقال:السلام عليك يا طويل الحزن و البكاء،فلم يسمع آدم(عليه السلام)ذلك لغليان صدره،حتى ناداه بصوت رفيع:السلام عليك يا آدم،قد قبل اللّه توبتك و غفر لك خطيئتك،ثمّ أمر بجناحه على صدره و وجهه حتّى هدأ من بكائه،و سكن غليان صدره،و سمع الصوت.فقال آدم(عليه السلام):«و عليك السلام يا خليلي،ابتداء سخط أم ابتداء إحسان و غفران؟»قال جبرئيل:بل ابتداء رحمة و غفران-يا آدم-لقد أبكيت أهل السماوات و الأرضين،فدونك هذه الكلمات،فإنها كلمات التوبة و الرحمة و الغفران.
قيل:هذه الكلمات التي قالها يونس(عليه السلام)في ظلمات ثلاث:
[١] في المصدر:يومئذ.
[٢] في المصدر:أنا اللّه الرحمن الرحيم.