البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٥٥ - الحجّ آيه ٩-١
جَمْعاً،لِلْمَوْتِ تُولَدُونَ،وَ إِلَى الْقُبُورِ تُنْقَلُونَ،وَ عَلَى التُّرَابِ تَتَوَسَّدُونَ [١]،وَ إِلَى الدُّودِ تُسَلَّمُونَ،وَ إِلَى الْحِسَابِ تُبْعَثُونَ.
يَا ذَوِي الْحِيَلِ وَ الْآرَاءِ،وَ الْفِقْهِ وَ الْأَنْبَاءِ،اذْكُرُوا مَصَارِعَ الْآبَاءِ،فَكَأَنَّكُمْ بِالنُّفُوسِ قَدْ سُلِبَتْ،وَ بِالْأَبْدَانِ قَدْ عُرِيَتْ،وَ بِالْمَوَارِيثِ قَدْ قُسِمَتْ،فَتَصِيرُ-يَا ذَا الدَّلاَلِ،وَ الْهَيْبَةِ وَ الْجَمَالِ-إِلَى مَنْزِلَةٍ شَعْثَاءَ،وَ مَحَلَّةٍ غَبْرَاءَ،فَتُنَوَّمُ عَلَى خَدِّكَ فِي لَحْدِكَ،فِي مَنْزِلٍ قَلَّ زُوَّارُهُ،وَ مَلَّ عُمَّالُهُ،حَتَّى يُشَقَّ عَنِ الْقُبُورِ،وَ تُبْعَثَ إِلَى النُّشُورِ،فَإِنْ خُتِمَ لَكَ بِالسَّعَادَةِ صِرْتَ إِلَى حُبُورٍ،وَ أَنْتَ مَلِكٌ مُطَاعٌ،وَ آمِنٌ لاَ يُرَاعُ،يَطُوفُ عَلَيْكُمْ وِلْدَانٌ كَأَنَّهُمُ الْجُمَانُ،بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.
أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا يَتَنَعَّمُونَ،وَ أَهْلُ النَّارِ فِيهَا يُعَذَّبُونَ،هَؤُلاَءِ فِي السُّنْدُسِ وَ الْحَرِيرِ يَتَبَخْتَرُونَ [٢]،وَ هَؤُلاَءِ فِي الْجَحِيمِ وَ السَّعِيرِ يَتَقَلَّبُونَ،هَؤُلاَءِ تُحْشَى جَمَاجِمُهُمْ بِمِسْكِ الْجِنَانِ وَ هَؤُلاَءِ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعِ النِّيرَانِ،هَؤُلاَءِ يُعَانِقُونَ الْحُورَ فِي الْحِجَالِ،وَ هَؤُلاَءِ يُطَوَّقُونَ أَطْوَاقاً فِي النَّارِ بِالْأَغْلاَلِ،فَلَهُ [٣]،فَزَعٌ قَدْ أَعْيَى الْأَطِبَّاءَ،وَ بِهِ دَاءٌ لاَ يَقْبَلُ الدَّوَاءَ.
يَا مَنْ يُسَلَّمُ إِلَى الدُّودِ،وَ يُهْدَى إِلَيْهِ،اعْتَبِرْ بِمَا تَسْمَعُ وَ تَرَى،وَ قُلْ لِعَيْنِكَ تَجْفُو لَذَّةَ الْكَرَى،وَ تُفِيضُ مِنَ الدُّمُوعِ بَعْدَ الدُّمُوعِ تَتْرَى،بَيْتُكَ الْقَبْرُ بَيْتُ الْأَهْوَالِ وَ الْبِلَى،وَ غَايَتُكَ الْمَوْتُ يَا قَلِيلَ الْحَيَاءِ.
اسْمَعْ-يَا ذَا الْغَفْلَةِ وَ التَّصْرِيفِ-مِنْ ذَوِي [٤] الْوَعْظِ وَ التَّعْرِيفِ،جُعِلَ يَوْمُ الْحَشْرِ يَوْمَ الْعَرْضِ وَ السُّؤَالِ، وَ الْحِبَاءِ [٥] وَ النَّكَالِ،يَوْمَ تُقْلَبُ إِلَيْهِ [٦] أَعْمَالُ الْأَنَامِ،وَ تُحْصَى فِيهِ جَمِيعُ الْآثَامِ،يَوْمَ تَذُوبُ مِنَ النُّفُوسِ أَحْدَاقُ عُيُونِهَا،وَ تَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا،وَ يُفَرَّقُ بَيْنَ كُلِّ نَفَسٍ وَ حَبِيبِهَا،وَ يَحَارُ فِي تِلْكَ الْأَهْوَالِ عَقْلُ لَبِيبِهَا،إِذْ تَنَكَّرَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ حُسْنِ عِمَارَتِهَا،وَ تَبَدَّلَتْ بِالْخَلَقِ بَعْدَ أَنِيقِ زَهْرَتِهَا،أَخْرَجَتْ مِنْ مَعَادِنِ الْغَيْبِ أَثْقَالَهَا،وَ نَفَضَتْ إِلَى اللَّهِ أَحْمَالَهَا.
يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الْجِدُّ،إِذَا [٧] عَايَنُوا الْهَوْلَ الشَّدِيدَ فَاسْتَكَانُوا،وَ عُرِفَ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَاسْتَبَانُوا،فَانْشَقَّتِ الْقُبُورُ بَعْدَ طُولِ انْطِبَاقِهَا،وَ اسْتَسْلَمَتِ النُّفُوسُ إِلَى اللَّهِ بِأَسْبَابِهَا،كُشِفَ عَنِ الْآخِرَةِ غِطَاؤُهَا،وَ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ أَبْنَاؤُهَا، فَدُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً،وَ مُدَّتْ لِأَمْرٍ يُرَادُ بِهَا مَدّاً مَدّاً،وَ اشْتَدَّ الْمُثَارُونَ إِلَى اللَّهِ شَدّاً شَدّاً،وَ تَزَاحَفَتِ الْخَلاَئِقُ إِلَى الْمَحْشَرِ زَحْفاً زَحْفاً،وَ رُدَّ الْمُجْرِمُونَ عَلَى الْأَعْقَابِ رَدّاً رَدّاً،وَ جَدَّ الْأَمْرُ-وَيْحَكَ،يَا إِنْسَانُ!-جَدّاً جَدّاً،وَ قُرِّبُوا لِلْحِسَابِ فَرْداً فَرْداً،وَ جَاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً،يَسْأَلُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا حَرْفاً حَرْفاً،فَجِيءَ بِهِمْ عُرَاةَ الْأَبْدَانِ،خُشَّعاً
[١] في المصدر:تنوّمون.
[٢] في«ج»:يتحبرون،وفي«ط»:يتجبرون.
[٣] في المصدر:في قلبه.
[٤] في المصدر:ذي.
[٥] حبوت الرّجل حباء:أعطيته الشيء بغير عوض.«مجمع البحرين-حبا-١:٩٤».
[٦] في«ط»:فيه.
[٧] في المصدر:الحذر إذ.