البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٨ - يونس آيه ٨٩-٨٨
وَ بِدَرَ [١] الدَّرَاهِمِ وَ الدَّنَانِيرِ وَ هُوَ غَنِيٌّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)لِلاِبْنِ:مَا تَقُولُ؟فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،مَا لِي شَيْءٌ مِمَّا قَالَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):اِتَّقِ اللَّهَ-يَا فَتَى-وَ أَحْسِنْ إِلَى وَالِدِكَ الْمُحْسِنِ إِلَيْكَ،يُحْسِنِ اللَّهُ إِلَيْكَ.قَالَ:لاَ شَيْءَ لِي.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):فَنَحْنُ نُعْطِيهِ عَنْكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ،فَأَعْطِهِ أَنْتَ فِيمَا بَعْدَهُ.وَ قَالَ لِأُسَامَةَ:أَعْطِ الشَّيْخَ مِائَةَ دِرْهَمٍ نَفَقَةَ شَهْرِهِ لِنَفْسِهِ وَ عِيَالِهِ،فَفَعَلَ.
فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ جَاءَ الشَّيْخُ وَ الْغُلاَمُ،فَقَالَ الْغُلاَمُ،لاَ شَيْءَ لِي.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):لَكَ مَالٌ كَثِيرٌ،وَ لَكِنَّكَ تُمْسِي الْيَوْمَ وَ أَنْتَ فَقِيرٌ وَقِيرٌ [٢]،أَفْقَرُ مِنْ أَبِيكَ هَذَا،لاَ شَيْءَ لَكَ.
فَانْصَرَفَ الشَّابُّ،فَإِذَا جِيرَانُ أَنَابِيرِهِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ،يَقُولُونَ:حَوِّلْ هَذِهِ الْأَنَابِيرَ عَنَّا،فَجَاءَ إِلَى أَنَابِيرِهِ فَإِذَا الْحِنْطَةُ وَ الشَّعِيرُ وَ التَّمْرُ وَ الزَّبِيبُ قَدْ نَتُنَ جَمِيعُهُ،وَ فَفَسَدَ وَ هَلَكَ،وَ أَخَذُوهُ بِتَحْوِيلِ ذَلِكَ عَنْ جِوَارِهِمْ،فَاكْتَرَى أُجَرَاءَ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ فَحَوَّلُوهَا وَ أَخْرَجُوهَا بَعِيداً عَنِ الْمَدِينَةِ،ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْرِجَ إِلَيْهِمُ الْكِرَاءَ مِنْ أَكْيَاسِهِ الَّتِي فِيهَا دَرَاهِمُهُ وَ دَنَانِيرُهُ؛فَإِذَا هِيَ قَدْ طُمِسَتْ وَ مُسِخَتْ حِجَارَةً،وَ أَخَذَهُ الْحَمَّالُونَ بِالْأُجْرَةِ،فَبَاعَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ كِسْوَةٍ وَ فَرْشٍ وَ دَارٍ وَ أَعْطَاهَا فِي الْكِرَاءِ؛وَ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ صِفْراً،ثُمَّ بَقِيَ فَقِيراً وَقِيراً لاَ يَهْتَدِي إِلَى قُوتِ يَوْمِهِ،فَسَقُمَ لِذَلِكَ جَسَدُهُ وَ ضَنِيَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا أَيُّهَا الْعَاقُّونَ لِلْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ،اعْتَبِرُوا وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ كَمَا طُمِسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَمْوَالِهِ،فَكَذَلِكَ جَعَلَ بَدَلَ مَا كَانَ أَعَدَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ مُعَدّاً لَهُ فِي النَّارِ مِنَ الدَّرَكَاتِ».
قَالَ الْإِمَامُ الْعَسْكَرِيُّ:«وَ أَمَّا نَظِيرُهَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فَإِنَّ رَجُلاً مِنْ مُحِبِّيهِ كَتَبَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّامِ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،إِنِّي بِعِيَالِي مُثْقَلٌ،وَ عَلَيْهِمْ إِنْ خَرَجْتُ خَائِفٌ،وَ بِأَمْوَالِيَ الَّتِي أُخَلِّفُهَا إِنْ خَرَجْتُ ضَنِينٌ،وَ أُحِبُّ اللَّحَاقَ بِكَ،وَ الْكَوْنَ فِي جُمْلَتِكَ،وَ الْحُضُورَ [٣] فِي خِدْمَتِكَ،فَجُدْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اِجْمَعْ أَهْلَكَ وَ عِيَالَكَ،وَ اجْعَلْ [٤] عِنْدَهُمْ مَالَكَ،وَ صَلِّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ،ثُمَّ قُلْ:اَللَّهُمَّ هَذِهِ كُلُّهَا وَدَائِعِي عِنْدَكَ،بِأَمْرِ عَبْدِكَ وَ وَلِيِّكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.ثُمَّ قُمْ وَ انْهَضْ إِلَيَّ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ،وَ أُخْبِرَ مُعَاوِيَةُ بِهَرَبِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُسْبَى عِيَالُهُ وَ يُسْتَرَقُّوا،وَ أَنْ تُنْهَبَ أَمْوَالُهُ.فَذَهَبُوا فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ شَبَهَ عِيَالِ مُعَاوِيَةَ وَ حَاشِيَتِهِ،وَ شَبَهَ أَخَصِّ حَاشِيَةٍ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، يَقُولُونَ:نَحْنُ أَخَذْنَا هَذَا الْمَالَ وَ هُوَ لَنَا،وَ أَمَّا عِيَالُهُ فَقَدِ اسْتَرْقَقْنَاهُمْ وَ بَعَثْنَاهُمْ إِلَى السُّوقِ.فَكَفُّوا لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، وَ عَرَّفَ اللَّهُ عِيَالَهُ أَنَّهُ قَدْ أَلْقَى عَلَيْهِمْ شَبَهَ عِيَالِ مُعَاوِيَةَ وَ عِيَالِ خَاصَّةِ يَزِيدَ،فَأَشْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَنْ يَسْرِقَهَا اللُّصُوصُ،فَمَسَخَ اللَّهُ الْمَالَ عَقَارِبَ وَ حَيَّاتٍ،كُلَّمَا قَصَدَ اللُّصُوصُ لِيَأْخُذُوا مِنْهُ لُدِغُوا وَ لُسِعُوا،فَمَاتَ مِنْهُمْ قَوْمٌ
[١] البدر:جمع بدرة،كمية من المال تقدّر بعشرة آلاف درهم.«الصحاح-بدر-٢:٥٨٧».
[٢] الوقير:الذليل المهان.«لسان العرب-وقر-٥:٢٩٢».
[٣] في المصدر:و الحفوف.
[٤] في المصدر:و حصّل.