البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٨٨ - الإسراء آيه ٩٥-٩٠
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):يَا عَبْدَ اللَّهِ،أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنِّي آكُلُ الطَّعَامَ كَمَا تَأْكُلُونَ،وَ زَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِأَجْلِ هَذِهِ أَنْ أَكُونَ لِلَّهِ رَسُولاً،فَإِنَّ الْأَمْرَ لِلَّهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ،وَ هُوَ مَحْمُودٌ،وَ لَيْسَ لَكَ وَ لاَ لِأَحَدٍ الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ،بِلِمَ وَ كَيْفَ،أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَيْفَ أَفْقَرَ بَعْضاً وَ أَغْنَى بَعْضاً،وَ أَعَزَّ بَعْضاً وَ أَذَلَّ بَعْضاً،وَ أَصَحَّ بَعْضاً وَ أَسْقَمَ بَعْضاً،وَ شَرَّفَ بَعْضاً وَ وَضَعَ بَعْضاً وَ كُلُّهُمْ مِمَّنْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ؟ثُمَّ لَيْسَ لِلْفُقَرَاءِ أَنْ يَقُولُوا:لِمَ أَفْقَرْتَنَا وَ أَغْنَيْتَهُمْ؟ وَ لاَ لِلْوُضَعَاءِ أَنْ يَقُولُوا:لِمَ وَضَعْتَنَا وَ شَرَّفْتَهُمْ؟وَ لاَ لِلزَّمْنَى [١]،وَ الضُّعَفَاءِ أَنْ يَقُولُوا:لِمَ أَزْمَنْتَنَا وَ أَضْعَفْتَنَا وَ صَحَّحْتَهُمْ؟وَ لاَ لِلْأَذِلاَّءِ أَنْ يَقُولُوا:لِمَ أَذْلَلْتَنَا وَ أَعْزَزْتَهُمْ؟وَ لاَ لِلْقِبَاحِ الصُّورِ أَنْ يَقُولُوا:لِمَ أَقْبَحْتَنَا وَ جَمَّلْتَهُمْ؟بَلْ إِنْ أَبَوْا وَ قَالُوا ذَلِكَ،كَانُوا عَلَى رَبِّهِمْ رَادِّينَ،وَ لَهُ فِي أَحْكَامِهِ مُنَازِعِينَ،وَ بِهِ كَافِرِينَ،وَ لَكَانَ جَوَابَهُ لَهُمْ:أَنِّي أَنَا الْمَلِكُ الرَّافِعُ الْخَافِضُ الْمُغْنِي الْمُفْقِرُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ الْمُصِحُّ الْمُسْقِمُ،وَ أَنْتُمُ الْعَبِيدُ لَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ التَّسْلِيمُ لِي وَ الاِنْقِيَادُ لِحُكْمِي،فَإِنْ سَلَّمْتُمْ كُنْتُمْ عِبَاداً مُؤْمِنِينَ،وَ إِنْ أَبَيْتُمْ كُنْتُمْ بِي كَافِرِينَ،وَ بِعُقُوبَاتِي مِنَ الْهَالِكِينَ.
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:يَا مُحَمَّدُ: قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [٢]،يَعْنِي آكُلُ الطَّعَامَ يُوحىٰ إِلَيَّ أَنَّمٰا إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ [٣]يَعْنِي قُلْ لَهُمْ:أَنَا فِي الْبَشَرِيَّةِ مِثْلُكُمْ وَ لَكِنْ رَبِّي خَصَّنِي بِالنُّبُوَّةِ دُونَكُمْ،كَمَا يَخُصُّ بَعْضَ الْبَشَرِ بِالْغَنَاءِ،وَ الصِّحَّةِ وَ الْجَمَالِ دُونَ بَعْضٍ مِنَ الْبَشَرِ،فَلاَ تُنْكِرُوا أَنْ يَخُصَّنِي أَيْضاً بِالنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ أَمَّا قَوْلُكَ:إِنَّ هَذَا مَلِكُ الرُّومِ وَ مَلِكُ الْفُرْسِ لاَ يَبْعَثَانِ رَسُولاً إِلاَّ كَثِيرَ الْمَالِ، عَظِيمَ الْحَالِ،لَهُ قُصُورٌ وَ دُورٌ وَ فَسَاطِيطُ وَ خِيَامٌ وَ عُبَيْدٌ وَ خُدَّامٌ،وَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَوْقَ هَؤُلاَءِ كُلِّهِمْ فَهُمْ عَبِيدُهُ؛فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ التَّدْبِيرُ وَ الْحُكْمُ،لاَ يَفْعَلُ عَلَى ظَنِّكَ وَ حُسْبَانِكَ وَ اقْتِرَاحِكَ،بَلْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَ هُوَ مَحْمُودٌ.
يَا عَبْدَ اللَّهِ،إِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ،وَ يَدْعُوَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ،وَ يَكِدَّ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَ أَطْرَافَ النَّهَارِ،فَلَوْ كَانَ صَاحِبَ قُصُورٍ يَحْتَجِبُ فِيهَا،وَ عَبِيدٍ وَ خَدَمٍ يَسْتُرُونَهُ عَنِ النَّاسِ،أَ لَيْسَ كَانَتِ الرِّسَالَةُ تَضِيعُ وَ الْأُمُورُ تَتَبَاطَأُ؟أَ وَ مَا رَأَيْتَ الْمُلُوكَ إِذَا احْتَجَبُوا كَيْفَ يَجْرِي الْفَسَادُ وَ الْقَبَائِحُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَ لاَ يَشْعُرُونَ؟ يَا عَبْدَ اللَّهِ،إِنَّمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ وَ لاَ مَالَ لِي لِيُعَرِّفَكُمْ قُوَّتَهُ وَ قُدْرَتَهُ،وَ أَنَّهُ هُوَ النَّاصِرُ [٤] لِرَسُولِهِ،لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِ وَ لاَ مَنْعِهِ مِنْ رِسَالَتِهِ،فَهَذَا أَبْيَنُ فِي قُدْرَتِهِ وَ فِي عَجْزِكُمْ،وَ سَوْفَ يُظْفِرُنِيَ اللَّهُ بِكُمْ فَأُوَسِّعُكُمْ قَتْلاً وَ أَسْراً،ثُمَّ يُظْفِرُنِيَ اللَّهُ بِبِلاَدِكُمْ،وَ يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ دُونَكُمْ،وَ دُونَ مَنْ يُوَافِقُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ أَمَّا قَوْلُكَ لِي:وَ لَوْ كُنْتَ نَبِيّاً لَكَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يُصَدِّقُكَ وَ نُشَاهِدُهُ،بَلْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا نَبِيّاً لَكَانَ إِنَّمَا يَبْعَثُ إِلَيْنَا مَلَكاً لاَ بَشَراً مِثْلَنَا،فَالْمَلَكُ لاَ تُشَاهِدُهُ حَواسُّكُمْ،لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْهَوَاءِ لاَ عِيَانَ مِنْهُ،وَ لَوْ شَاهَدْتُمُوهُ-بِأَنْ يُزَادَ فِي قُوَى أَبْصَارِكُمْ-لَقُلْتُمْ:لَيْسَ هَذَا مَلَكاً،بَلْ هَذَا بَشَرٌ،لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ لَكُمْ بِصُورَةِ الْبَشَرِ الَّذِي أَلِفْتُمُوهُ لِتَفْهَمُوا عَنْهُ مَقَالَهُ،وَ لِتَعْرِفُوا خِطَابَهُ وَ مُرَادَهُ،فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَ الْمَلَكِ وَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ حَقٌّ؟بَلْ إِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً،وَ ظَهَرَ عَلَى يَدِهِ الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي لَيْسَتْ فِي طَبَائِعِ الْبَشَرِ
[١] الزَّمْنَى:جمع زمن،و هو المصاب بعاهة أو مرض مزمن.
[٢] [٣] الكهف ١٨:١١٠،فصلت ٤١:٦.
[٤] في«س»و«ط»:الناظر.