البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٥٢ - الحجر آيه ٣٨-٢٧
خَوَاتِيمُهُ،وَ سَقَطَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى حَوَّاءَ مِنْ لِبَاسِهَا،وَ حُلِيِّهَا،وَ زِينَتِهَا،وَ كُلُّ شَيْءٍ طَارَ عَنْهَا،وَ نَادَاهُ لِبَاسُهُ وَ تَاجُهُ:يَا آدَمُ،طَالَ حُزْنُكَ،وَ كَثُرَتْ حَسْرَتُكَ،وَ عَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ،فَعَلَيْكَ السَّلاَمُ،وَ هَذِهِ سَاعَةُ الْفِرَاقِ إِلَى يَوْمِ التَّلاَقِ،فَإِنَّ رَبَّ الْعِزَّةِ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لاَ نَكُونَ إِلاَّ عَلَى عَبْدٍ مُطِيعٍ خَاشِعٍ.وَ انْتَفَضَ السَّرِيرُ مِنْ فِرَاشِهِ وَ طَارَ فِي الْهَوَاءِ،وَ هُوَ يُنَادِي:
آدَمُ الْمُصْطَفَى قَدْ عَصَى الرَّحْمَنَ وَ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ،وَ حَوَّاءُ قَدِ انْتَفَضَتْ ذَوَائِبُهَا عَنْهَا،وَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الدُّرِّ وَ الْجَوَاهِرِ وَ اللُّؤْلُؤِ،وَ انْحَلَّتِ الْمِنْطَقَةُ مِنْ وَسَطِهَا،وَ هِيَ تَقُولُ:لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُكُمَا وَ طَالَ حُزْنُكُمَا،وَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا مِنْ لِبَاسِهِمَا شَيْءٌ وَ طَفِقٰا أَيْ أَقْبَلاَ: يَخْصِفٰانِ عَلَيْهِمٰا أَيْ يَرْقَعَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أَيْ وَرَقِ التِّينِ وَ نٰادٰاهُمٰا رَبُّهُمٰا أَ لَمْ أَنْهَكُمٰا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُمٰا إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمٰا عَدُوٌّ مُبِينٌ [١].
قال ابن عبّاس:إن اللّه تعالى حذر أولاد آدم كما حذر آدم(عليه السلام)في قوله تعالى: يٰا بَنِي آدَمَ لاٰ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطٰانُ كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمٰا لِبٰاسَهُمٰا [٢].قال:و جعل كل واحد منهما ينظر إلى عورة صاحبه،و هرب إبليس مبادرا،و صار مختفيا في بعض طرق السماوات،و لم يبق شيء إلاّ نادى آدم:يا عاصي.
و غض أهل الجنة أبصارهم عنهما،و قالوا:أخرجتما من جنتكما!و ناداه فرسه الميمون-و قد خلقه اللّه من مسك الجنة و جميع طيبها من الكافور و الزعفران و العنبر و غير ذلك،و عجن بماء الحيوان،و عرفه من المرجان،و ناصيته من الياقوت،و حافره من الزبرجد الأخضر،و سرجه من الزمرد،و لجامه من الياقوت،و له أجنحة من أنواع الجواهر، و ليس في الجنة دابة أحسن من فرس آدم(عليه السلام)إلا البراق،
قَالَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «فَضْلُ الْبُرَاقَ عَلَى سَائِرِ دَوَابِّ الْجَنَّةِ،كَفَضْلِي عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ» ،و قال ابن عبّاس:قد خلق اللّه الميمون فرس آدم(عليه السلام)قبل أن يخلق آدم(عليه السلام)بخمسمائة عام-:يا آدم،هكذا العهد بينك و بين اللّه تعالى؟! و انقبضت أشجار الجنة عنهما حتّى لم يتمكنا أن يستترا بشيء منها،فكلما قرب من شجرة،نادته:إليك عنى يا عاصي.فلما كثرت عليه الملامة و التوبيخ،مر هاربا،و إذا هو بشجرة الطلح قد التفت على ساقيه فمسكته بأغصانها،و نادته إلى أين تهرب،يا عاصي؟فوقف آدم فزعا مرعوبا مبهوتا،و ظنّ أن العذاب قد أتاه،و جعل ينادي:الأمان،الأمان،و حواء مجتهدة أن تستر نفسها بشعرها،و هو ينكشف عنها،فلما أكثرت عليه،ناداها:يا بادية السوء،هل تقدرين على أن تستري بي،و قد عصيت ربك؟فقعدت حواء عند ذلك،و وضعت ذقنها على ركبتها كيلا يراها أحد،و هي تحت الشجرة و آدم واقف قد قبضت عليه شجرة الطلح.
قال ابن عبّاس:فنودي جبرئيل:«أ لا ترى إلى بديع فطرتي آدم،كيف عصاني؟يا جبرئيل،أ لا ترى إلى حواء أمتي،كيف عصتني،و طاوعت عدوي إبليس؟»فاضطرب جبرئيل الأمين لما سمع نداء ربّ العالمين،و داخله الخوف و خر ساجدا،و حملة العرش قد سكنت حركاتهم،و هم يقولون:سبحانك،قدوس قدوس،سبوح سبوح، الأمان الأمان.فأخذ جبرئيل(عليه السلام)يعد على آدم(عليه السلام)ما أنعم اللّه تعالى به عليه،و يعاتبه على المعصية،
[١] الأعراف ٧:٢٢.
[٢] الأعراف ٧:٢٧.