البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٤٢ - الحجر آيه ٣٨-٢٧
عَلَيْكِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى؟ فَقَالَتِ الْأَرْضُ:يَا رَبِّ،إِنَّ السَّمَاءَ تَفْتَخِرُ عَلَيَّ،إِذْ لَيْسَ عَلَيَّ أَحَدٌ يَذْكُرُكَ.فَنُودِيَتِ الْأَرْضُ:أَنِ اسْكُنِي،فَإِنِّي أَخْلُقُ مِنْ أَدِيمِكِ صُورَةً لاَ مِثْلَ لَهَا مِنَ الْجِنِّ [١]،وَ أَرْزُقُهُ الْعَقْلَ وَ الْعِلْمَ وَ الْكِتَابَ وَ اللِّسَانَ،وَ أُنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ كَلاَمِي،ثُمَّ أَمْلَأُ بَطْنَكِ وَ ظَهْرَكِ وَ شَرْقَكِ وَ غَرْبَكِ عَلَى مِزَاجِ تِرْبِكِ فِي اللَّوْنِ،وَ الْحُرِّيَّةِ،وَ السُّرِّيَّةِ،وَ افْتَخِرِي يَا أَرْضُ عَلَى السَّمَاءِ بِذَلِكِ.
ثُمَّ اسْتَقَرَّتِ الْأَرْضُ وَ سَأَلَتْ رَبَّهَا أَنْ يُهْبِطَ إِلَيْهَا خَلْقاً،فَأَذِنَ لَهَا بِذَلِكَ،عَلَى أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ لاَ يَعْصُوهُ-قَالَ- وَ هَبَطَ الْجِنُّ وَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ وَ سَكَنَا الْأَرْضَ،فَأَعْطَوْا عَلَى ذَلِكَ الْعَهْدَ،وَ نَزَلُوا وَ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ يَعْبُدُونَ اللَّهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ دَهْراً طَوِيلاً.
ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ إِبْلِيسَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ،فَعَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا أَلْفَ سَنَةٍ،ثُمَّ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَعَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا أَلْفَ سَنَةٍ،وَ لَمْ يَزَلْ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ،وَ كَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ فِي السَّمَاءِ الْأُولَى السَّبْتُ،وَ الْأَحَدُ فِي الثَّانِيَةِ،حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ صُيِّرَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ،وَ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ،وَ يُوَحِّدُهُ حَقَّ تَوْحِيدِهِ،وَ كَانَ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِهِ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ،يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
لَقَدْ أُعْطِيَ هَذَا الْعَبْدُ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ عِبَادَتِهِ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ،أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبْرَئِيلَ أَنْ يَهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ،وَ يَقْبِضَ مِنْ شَرْقِهَا وَ غَرْبِهَا وَ قَعْرِهَا وَ بَسْطِهَا قَبْضَةً،لِيَخْلُقَ مِنْهَا خَلْقاً جَدِيداً،لِيَجْعَلَهُ أَفْضَلَ الْخَلاَئِقِ».
٩٩-/٥٨٣٨ _٢- وَ عَنْهُ:قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَزَلَ إِبْلِيسُ(لَعَنَهُ اللَّهُ)فَوَقَفَ وَسَطَ الْأَرْضِ،وَ قَالَ:يَا أَيَّتُهَا الْأَرْضُ،إِنِّي جِئْتُكِ نَاصِحاً لَكِ،إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْكِ خَلْقاً يُفَضِّلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ،وَ أَخَافُ أَنْ يَعْصِيَهُ،وَ قَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْكِ جَبْرَئِيلَ،فَإِذَا جَاءَكِ فَأَقْسِمِي عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَقْبِضَ مِنْكِ شَيْئاً.فَلَمَّا هَبَطَ جَبْرَئِيلُ بِإِذْنِ رَبِّهِ،نَادَتْهُ الْأَرْضُ،وَ قَالَتْ:
يَا جَبْرَئِيلُ،بِحَقِّ مَنْ أَرْسَلَكَ إِلَيَّ،لاَ تَقْبِضْ مِنِّي شَيْئاً،فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْصِيَهُ ذَلِكَ الْخَلْقُ،فَيُعَذِّبَهُ فِي النَّارِ.قَالَ:
فَارْتَعَدَ جَبْرَئِيلُ مِنْ هَذَا الْقَسَمِ،وَ رَجَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهَا شَيْئاً،فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ،فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مِيكَائِيلَ ثَانِيَةً،فَجَرَى لَهُ مِثْلُ مَا جَرَى لِجَبْرَئِيلَ،فَبَعَثَ اللَّهُ عِزْرَائِيلَ مَلَكَ الْمَوْتِ،فَلَمَّا هَمَّ بِهَا أَنْ يَقْبِضَ مِنْهَا،قَالَتْ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُمَا،فَقَالَ:وَ عِزَّةِ رَبِّي لاَ أَعْصِي لَهُ أَمْراً.ثُمَّ قَبَضَ مِنْهَا قَبْضَةً مِنْ شَرْقِهَا وَ غَرْبِهَا وَ حُلْوِهَا وَ مُرِّهَا وَ طِيبِهَا وَ مَالِحِهَا وَ خَسِيسِهَا [٢] وَ قَعْرِهَا وَ بَسْطِهَا،فَقَدِمَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالْقَبْضَةِ،وَ وَقَفَ أَرْبَعِينَ عَاماً لاَ يَنْطِقُ،فَأَتَاهُ النِّدَاءُ أَنْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ،مَا صَنَعْتَ؟فَأَخْبَرَهُ بِجَمِيعِ الْقَضِيَّةِ.قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:وَ عِزَّتِي وَ جَلاَلِي لَأُسَلِّطَنَّكَ عَلَى قَبْضِ أَرْوَاحِ هَذَا الْخَلْقِ الَّذِي أَخْلُقُهُ؛لِقِلَّةِ رَحْمَتِكَ.فَجَعَلَ اللَّهُ نِصْفَ تِلْكَ الْقَبْضَةِ فِي الْجَنَّةِ،وَ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي النَّارِ.قَالَ:
وَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ:فَرَأْسُهُ مِنَ الْأَرْضِ الْأُولَى،وَ عُنُقُهُ مِنَ الثَّانِيَةِ،وَ صَدْرُهُ مِنَ الثَّالِثَةِ،وَ يَدَاهُ مِنَ الرَّابِعَةِ،
[١] في«س»:الحسن.
[٢] في المصدر:و حسنها.