البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١١٨ - هود آيه ٦١
لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ نَاقَةً عُشَرَاءَ،وَ كَانَتِ الصَّخْرَةُ يُعَظِّمُونَهَا وَ يَعْبُدُونَهَا،وَ يُذَبِّحُونَ [١] عِنْدَهَا فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ، وَ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهَا،فَقَالُوا لَهُ:إِنْ كُنْتَ كَمَا تَزْعُمُ نَبِيّاً رَسُولاً،فَادْعُ لَنَا إِلَهَكَ حَتَّى يُخْرِجَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ نَاقَةً عُشَرَاءَ [٢]،فَأَخْرَجَهَا اللَّهُ كَمَا طَلَبُوا مِنْهُ.
ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَيْهِ:أَنْ-يَا صَالِحُ-قُلْ لَهُمْ:إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِهَذِهِ النَّاقَةِ مِنَ الْمَاءِ شِرْبَ يَوْمٍ،وَ لَكُمْ شِرْبَ يَوْمٍ.وَ كَانَتِ النَّاقَةُ إِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا شَرِبَتِ الْمَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمَ،فَيَحْلُبُونَهَا فَلاَ يَبْقَى صَغِيرٌ وَ لاَ كَبِيرٌ إِلاَّ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ وَ أَصْبَحُوا،غَدَوْا إِلَى مَائِهِمْ فَشَرِبُوا مِنْهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ،وَ لَمْ تَشْرَبِ النَّاقَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ عَتَوْا عَلَى اللَّهِ،وَ مَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،وَ قَالُوا:اِعْقِرُوا هَذِهِ النَّاقَةَ وَ اسْتَرِيحُوا مِنْهَا،لاَ نَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَنَا شِرْبُ يَوْمٍ وَ لَهَا شِرْبُ يَوْمٍ.ثُمَّ قَالُوا:مَنِ الَّذِي يَلِي قَتْلَهَا،وَ نَجْعَلَ لَهُ جُعْلاً مَا أَحَبَّ؟فَجَاءَهُمْ رَجُلٌ أَحْمَرُ أَشْقَرُ أَزْرَقُ،وَلَدُ زِنًا،لاَ يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ،يُقَالُ لَهُ:قُدَارٌ [٣]،شَقِيٌّ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ،مَشْئُومٌ عَلَيْهِمْ،فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلاً،فَلَمَّا تَوَجَّهَتِ النَّاقَةُ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَتْ تَرِدُهُ،تَرَكَهَا حَتَّى شَرِبَتْ وَ أَقْبَلَتْ رَاجِعَةً،فَقَعَدَ لَهَا فِي طَرِيقِهَا،فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً فَلَمْ تَعْمَلْ شَيْئاً،فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَتَلَهَا،وَ خَرَّتْ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى جَنْبِهَا،وَ هَرَبَ فَصِيلُهَا حَتَّى صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ،فَرَغَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِلَى السَّمَاءِ.وَ أَقْبَلَ قَوْمُ صَالِحٍ،فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ شَرِكَهُ فِي ضَرْبَتِهِ،وَ اقْتَسَمُوا لَحْمَهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ،فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ صَغِيرٌ وَ لاَ كَبِيرٌ إِلاَّ أَكَلَ مِنْهَا.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ صَالِحٌ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ،فَقَالَ:يَا قَوْمِ،مَا دَعَاكُمْ إِلَى مَا صَنَعْتُمْ،أَ عَصَيْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ؟فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَى صَالِحٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَنَّ قَوْمَكَ قَدْ طَغَوْا وَ بَغَوْا،وَ قَتَلُوا نَاقَةً بَعَثْتُهَا إِلَيْهِمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ،وَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهَا ضَرَرٌ،وَ كَانَ لَهُمْ مِنْهَا أَعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ،فَقُلْ لَهُمْ:إِنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمْ عَذَابِي إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ،فَإِنْ هُمْ تَابُوا وَ رَجَعُوا قَبِلْتُ تَوْبَتَهُمْ،وَ صَدَدْتُ عَنْهُمْ،وَ إِنْ هُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَ لَمْ يَرْجِعُوا بَعَثْتُ عَلَيْهِمْ عَذَابِي فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
فَأَتَاهُمْ صَالِحٌ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ لَهُمْ:يَا قَوْمِ،إِنِّي رَسُولُ رَبِّكُمْ إِلَيْكُمْ،وَ هُوَ يَقُولُ لَكُمْ:إِنْ أَنْتُمْ تُبْتُمْ وَ رَجَعْتُمْ وَ اسْتَغْفَرْتُمْ غَفَرْتُ لَكُمْ،وَ تُبْتُ عَلَيْكُمْ،فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ كَانُوا أَعْتَى مَا كَانُوا وَ أَخْبَثَ،وَ قَالُوا:يَا صَالِحُ،ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
قَالَ:يَا قَوْمِ،إِنَّكُمْ تُصْبِحُونَ غَداً وَ وُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةٌ،وَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ وُجُوهُكُمْ مُحْمَرَّةٌ،وَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ وُجُوهُكُمْ مُسْوَدَّةٌ.فَلَمَّا أَنْ كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ أَصْبَحُوا وَ وُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ،فَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،وَ قَالُوا:قَدْ جَاءَكُمْ مَا قَالَ لَكُمْ صَالِحٌ،فَقَالَ الْعُتَاةُ مِنْهُمْ:لاَ نَسْمَعُ قَوْلَ صَالِحٍ وَ لاَ نَقْبَلُ قَوْلَهُ،وَ إِنْ كَانَ عَظِيماً؛فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَصْبَحَتْ وُجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةً،فَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،فَقَالُوا:يَا قَوْمِ،قَدْ جَاءَكُمْ مَا قَالَ لَكُمْ صَالِحٌ.فَقَالَ الْعُتَاةُ مِنْهُمْ:لَوْ أُهْلِكْنَا جَمِيعاً مَا سَمِعْنَا قَوْلَ صَالِحٍ،وَ لاَ تَرَكْنَا آلِهَتَنَا الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَهَا،وَ لَمْ يَتُوبُوا وَ لَمْ يَرْجِعُوا؛فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ
[١] في«س»:و يدعون.
[٢] في«س»:حمراء.
[٣] في«س»:قذار.